ترك التصعيد الأخير للنزاع بين إسرائيل وحزب الله هذا العام جنوب لبنان في حالة مدمرة، بما في ذلك بنيته التحتية الحيوية للمياه. وقد واجهت العديد من المجتمعات تحديات بالفعل بعد التصعيد السابق الذي حدث في عام 2024، مما فاقم من الأوضاع الإنسانية والمعيشية في المنطقة. ورغم سريان وقف إطلاق نار هش منذ منتصف أبريل، إلا أن الهجمات استمرت في جنوب لبنان، مما يعرقل جهود الإغاثة والتعافي ويعمق الأزمة الإنسانية، ويؤثر بشكل مباشر على قدرة السكان على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
تدمير ممنهج للبنية التحتية الحيوية
تضررت أو دمرت الألواح الشمسية التي تغذي البنية التحتية للمياه بشكل واسع، مما أدى إلى تعطيل أنظمة إمدادات المياه الحيوية في جنوب لبنان. وقد أكدت التقارير الميدانية أن القوات الإسرائيلية تسببت في أضرار جسيمة أو دمار كامل لشبكات المياه ومحطات الضخ وأنظمة الترشيح وغيرها من البنى التحتية الحيوية اللازمة لتوفير المياه الصالحة للاستخدام. ويشمل هذا التلف، بحسب المعطيات المتوفرة، الآبار ومضخات المياه ووحدات الترشيح وخزانات التخزين والمولدات وخطوط الأنابيب، بالإضافة إلى الأنظمة التي تعمل بالطاقة الشمسية، والتي تُعتبر شريان الحياة للعديد من المجتمعات في ظل انقطاع الكهرباء المتكرر. هذه الأضرار الممنهجة تؤثر بشكل مباشر على قدرة المجتمعات المحلية على الحصول على المياه الصالحة للشرب، وتعيق بشكل كبير جهود الاستقرار والعودة الطبيعية للحياة.
في بلدة ياطر، تعرض خزان المياه المجتمعي لضربة مباشرة، مما ألحق به أضراراً جسيمة تجاوزت إمكانية الإصلاح، وحرم السكان من مصدر مياه أساسي. وفي سياق متصل، قامت منظمة أطباء بلا حدود (Médecins Sans Frontières - MSF) بتوريد نظام شمسي كهروضوئي (PV) لمنشأة لترشيح المياه في تبنين، وذلك في إطار جهودها لدعم استمرارية توفير المياه النظيفة للسكان في ظل تزايد الحاجة لمصادر طاقة بديلة ومستدامة. كما أجرت المنظمة إصلاحات ضرورية على نظامين لترشيح المياه في سفيرة، واللذين كانا قد تضررا جراء انفجارات وقعت في مكان قريب، مما يعكس حجم التحديات التي تواجهها البنية التحتية للمياه في المنطقة وضرورة التدخل السريع للحفاظ على الخدمات الأساسية.
شهادات ميدانية من فرق الإغاثة
تُقدم فرق الإغاثة العاملة على الأرض شهادات حية عن حجم الدمار وجهود إعادة الإعمار الضرورية. في بلدة فرون، أصبح خزان المياه غير صالح للعمل بسبب الأضرار التي لحقت به جراء الهجمات، وقامت فرق منظمة أطباء بلا حدود بإصلاح وحدة ترشيح المياه وربطها مباشرة بمصدر المياه لضمان استمرارية الإمداد الحيوي للمجتمع. وفي براعشيت، عملت منظمة أطباء بلا حدود على إصلاح وحدتين لمعالجة المياه بتقنية التناضح العكسي، وهما تقنيتان حيويتان لتوفير مياه الشرب النقية، بالإضافة إلى إصلاح خزان مياه متضرر من القذائف، مما يدل على استهداف مباشر لمصادر المياه الأساسية للسكان المدنيين.
إضافة إلى ذلك، قامت منظمة أطباء بلا حدود بتزويد بلدية شقرا بأربعة خزانات مياه ومولد كهربائي لدعم احتياجات البلدة من المياه والكهرباء، في محاولة للتخفيف من حدة النقص الذي تعانيه المنطقة جراء الأضرار الواسعة. كما أعادت المنظمة تشغيل نظام مياه الآبار في عيتا الجبل، وأجرت إصلاحات شاملة على نظام ترشيح مياه الشرب وشبكة التوزيع الخاصة به، مما أعاد المياه النظيفة إلى آلاف السكان الذين اعتمدوا على هذه المصادر. وفي البياض بقضاء صور، قامت منظمة أطباء بلا حدود بإصلاح مولد كهربائي كان قد تعرض للعطب، وهو عنصر أساسي لتشغيل محطات المياه وضمان استمرار الضخ. كما شملت جهود المنظمة إصلاح نظام الطاقة الشمسية لإمدادات المياه في مخيم للاجئين الفلسطينيين، والذي تعرض لضربة جوية مباشرة، مما يسلط الضوء على هشاشة الأوضاع في المخيمات وتأثرها المباشر بالصراع. هذه التدخلات تؤكد الدور الحيوي الذي تلعبه المنظمات الإنسانية في سد الفجوات الناجمة عن تدمير البنية التحتية وضمان استمرارية الخدمات الأساسية للسكان المتضررين.
تداعيات إنسانية على السكان العائدين
تسببت القوات الإسرائيلية في أضرار أو دمار لشبكات المياه ومحطات الضخ وأنظمة الترشيح وغيرها من البنى التحتية الحيوية في جنوب لبنان. وقد أثر ذلك بشكل مباشر على قدرة المجتمعات المحلية على الحصول على المياه الصالحة للشرب، مما يزيد من التحديات التي يواجهها السكان العائدون إلى قراهم وبلداتهم بعد فترات النزوح القسري. وتُعد هذه الأضرار عائقاً رئيسياً أمام استعادة الحياة الطبيعية في المناطق المتضررة، حيث أن توفر المياه النظيفة أساسي للصحة العامة والنظافة والزراعة، ويشكل حجر الزاوية في أي جهود لإعادة الإعمار والاستقرار. إن تدمير هذه الأنظمة يهدد الأمن المائي والغذائي للمجتمعات، ويؤثر على سبل عيشهم، مما يدفعهم نحو مزيد من الهشاشة.
تتطلب إعادة تأهيل هذه البنى التحتية جهوداً كبيرة وموارد مالية ووقتية هائلة، في ظل استمرار التوترات وعدم اليقين الأمني في المنطقة. إن تدمير هذه الأنظمة الحيوية لا يؤثر فقط على الوصول الفوري للمياه، بل يهدد أيضاً سبل العيش على المدى الطويل ويحد من قدرة المجتمعات على التعافي والنهوض. وتُضاف هذه الأضرار إلى التحديات القائمة المتعلقة بالبنية التحتية المتضررة من نزاعات سابقة، مما يضع عبئاً إضافياً على كاهل السكان والسلطات المحلية والمنظمات الإنسانية. إن ضمان وصول آمن ومستدام للمياه النظيفة يبقى أولوية قصوى لتمكين السكان من العودة إلى ديارهم واستعادة حياتهم، وهو أمر لا غنى عنه لتحقيق أي شكل من أشكال التعافي والاستقرار في جنوب لبنان.