تُعتبر حركة حزب الله القوة السياسية الأبرز والأكثر نفوذاً في لبنان، حيث تمارس تأثيراً كبيراً على المشهد السياسي والأمني في البلاد. يمتلك الحزب حضوراً واسعاً في مناطق مختلفة، لا سيما في جنوب لبنان ووادي البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، مما يعزز من مكانته كلاعب رئيسي في الساحة اللبنانية. هذا النفوذ الواسع يجعل من حزب الله القوة السياسية الأكثر بروزاً وقوة في لبنان، مما يجعله طرفاً لا غنى عنه في أي معادلة سياسية أو أمنية داخل البلاد، ويؤكد دوره كقوة شيعية مؤثرة تعمل على تشكيل مسار الأحداث الوطنية والإقليمية.
وعلى صعيد آخر، تأسس التيار الوطني الحر (FPM) عام 1994 على يد الرئيس اللبناني السابق ميشال عون، الذي كان حينها قائداً للجيش اللبناني. وقد نشأ هذا التيار كقوة سياسية مسيحية بارزة تسعى لتمثيل جزء كبير من المسيحيين الموارنة في لبنان، وشارك في تحالفات سياسية رئيسية أثرت في تشكيل الحكومات والقرارات السياسية على مدى العقود الماضية. يمثل التيار الوطني الحر تياراً مسيحياً رئيسياً في المشهد السياسي اللبناني، وقد لعب دوراً محورياً في العديد من الاستحقاقات الدستورية والسياسية، مما جعله جزءاً لا يتجزأ من التوازنات الطائفية والسياسية في البلاد.
حزب الله: القوة الشيعية المؤثرة
تأسس حزب الله في عام 1982 خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) وما تلاها من احتلال إسرائيلي لجنوب لبنان (1982-2000). جاء تأسيس الحزب في سياق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وقد استمر في لعب دور محوري في هذا الصدد، حيث أعلن عن نفسه كحركة مقاومة إسلامية تهدف إلى تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة. يتلقى الحزب تمويلاً من جمهورية إيران الإسلامية ولديه علاقات وثيقة مع الحرس الثوري الإسلامي (IRGC)، مما يوفر له دعماً استراتيجياً ولوجستياً. هذه العلاقة مع إيران والحرس الثوري الإسلامي توفر لحزب الله دعماً لوجستياً ومالياً كبيراً، مما يعزز من قدراته العسكرية والسياسية، ويمنحه ثقلاً إقليمياً يتجاوز الحدود اللبنانية. كان حزب الله الميليشيا الوحيدة التي لم تسرح رسمياً أسلحتها في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، مما مكنه من الحفاظ على قوته العسكرية كقوة فاعلة في البلاد، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول مفهوم الدولة وسلاحها الشرعي.
لعب حزب الله دوراً محورياً في طرد إسرائيل من الأراضي اللبنانية في عام 2000، وهو حدث يُعتبر إنجازاً كبيراً للحزب وللمقاومة اللبنانية، وقد عزز هذا الانسحاب من شرعية الحزب في أوساط واسعة من اللبنانيين. كما خاض الحزب حرباً بارزة ضد إسرائيل في عام 2006، والتي أدت إلى تغييرات في موازين القوى الإقليمية، وأظهرت قدرة الحزب على الصمود والمواجهة. منذ أكتوبر 2023، شن حزب الله هجمات تضامناً مع الفلسطينيين في غزة، مما أضاف بعداً جديداً لدوره الإقليمي، وربط مصيره بشكل أوثق بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. في عام 2024، قُتل زعيم حزب الله المخضرم حسن نصر الله، الذي قاد الحزب لسنوات طويلة وكان شخصية محورية في استراتيجيته وتوجهاته، مما يمثل تحولاً كبيراً في قيادة الحزب. بعد سقوط بشار الأسد في سوريا، بدأت الحكومة اللبنانية جهوداً لنزع سلاح حزب الله، في محاولة لإعادة هيكلة المشهد الأمني والسياسي في البلاد، وإعادة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
القوات اللبنانية والحركات المسيحية
تُعد القوات اللبنانية (LF) أكبر حزب مسيحي حالياً في البرلمان اللبناني، مما يمنحها ثقلاً سياسياً كبيراً في القرارات التشريعية والحكومية، ويعزز من تمثيلها للمسيحيين في المشهد السياسي. تشكلت القوات اللبنانية خلال الحرب الأهلية اللبنانية تحت قيادة بشير الجميل، الذي لعب دوراً بارزاً في تلك الفترة كشخصية قيادية ومحورية في الجبهة المسيحية. ظهرت القوات اللبنانية في الأصل من حزب الكتائب الذي أسسه والد الجميل، بيار الجميل، مما يربطها بتاريخ طويل من العمل السياسي المسيحي في لبنان، ويعكس استمرارية النضال السياسي لهذه العائلة. انتُخب بشير الجميل رئيساً للبنان في عام 1982، لكنه اغتيل قبل أن يتمكن من تولي منصبه، في حادثة هزت المشهد السياسي اللبناني آنذاك وخلقت فراغاً سياسياً كبيراً. تضم القوات اللبنانية حالياً أربعة وزراء في الحكومة اللبنانية، مما يعكس حضورها السياسي المستمر في المشهد اللبناني وقدرتها على المشاركة في صناعة القرار التنفيذي، وتأكيد دورها كقوة سياسية لا يمكن تجاهلها.
تيارات سنية ودرزية مؤثرة
تأسس تيار المستقبل (The Future Movement) كائتلاف سياسي عام 1995 على يد رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، قبل أن يتحول إلى حزب فعلي في عام 2007. جاء تأسيس التيار في فترة ما بعد الحرب الأهلية، وكان يهدف إلى توحيد الطوائف السنية في لبنان وتقديم رؤية سياسية واقتصادية للبلاد، مع التركيز على إعادة الإعمار والتنمية. ويتولى سعد الحريري، نجل رفيق الحريري، قيادة تيار المستقبل حالياً، مستكملاً بذلك الإرث السياسي لوالده، ومحاولاً الحفاظ على مكانة التيار كقوة سنية رئيسية. وفي عام 2026، أعلن سعد الحريري أن تيار المستقبل سيعود إلى الساحة السياسية للمشاركة في الانتخابات البرلمانية القادمة، مما يشير إلى عودة محتملة للتيار للعب دور أكثر فاعلية في الحياة السياسية اللبنانية بعد فترة من الابتعاد.
أما الحزب التقدمي الاشتراكي (The Progressive Socialist Party)، فقد أسسه كمال جنبلاط عام 1949، وهو أحد أقدم الأحزاب السياسية في لبنان، ويمثل بشكل أساسي الطائفة الدرزية، ولكنه يمتلك قاعدة أوسع تضم شرائح مختلفة من المجتمع اللبناني. ويُذكر أن كمال جنبلاط اغتيل عام 1977، ويُزعم أن ذلك تم بأوامر من حافظ الأسد، وهي حادثة تركت أثراً عميقاً في تاريخ الحزب والسياسة اللبنانية، وخلقت توترات إقليمية. قاد وليد جنبلاط الحزب التقدمي الاشتراكي حتى عام 2023، حيث سلم القيادة لابنه تيمور، في عملية انتقال سلمي للسلطة داخل الحزب، مما يضمن استمرارية القيادة الجنبلاطية للحزب. ويضم الحزب التقدمي الاشتراكي حالياً وزيرين في الحكومة اللبنانية، مما يؤكد استمرارية دوره في المشهد السياسي اللبناني وقدرته على التأثير في القرارات الحكومية، ويبرز تمثيله للطائفة الدرزية في السلطة التنفيذية.
الحركة الوطنية الحرة وحلفاؤها
تُعتبر حركة أمل حليفاً رئيسياً لحزب الله، وهي حزب ذات أغلبية شيعية في لبنان، وتشكّل مع حزب الله ثنائياً شيعياً مؤثراً في البلاد، يمتلك قوة سياسية وعسكرية كبيرة. يتولى نبيه بري قيادة حركة أمل منذ عام 1980، وهو يشغل أيضاً منصب رئيس مجلس النواب في البلاد منذ عام 1992، مما يجعله أحد أطول السياسيين خدمة في منصبه القيادي في لبنان، ويمنحه نفوذاً تشريعياً واسعاً. وتضم حركة أمل حالياً وزيرين في الحكومة اللبنانية، مما يؤكد حضورها في المشهد السياسي وقدرتها على المشاركة في السلطة التنفيذية، ويعكس توازن القوى داخل الطائفة الشيعية.
بعد عودته إلى لبنان عام 2005، تحالف ميشال عون مع حزب الله وحركة أمل لتشكيل تحالف 8 آذار. هذا التحالف كان له تأثير كبير على المشهد السياسي اللبناني، وشكل كتلة قوية في مواجهة تحالفات سياسية أخرى، مثل تحالف 14 آذار، مما أدى إلى استقطاب سياسي حاد. يقود التيار الوطني الحر حالياً جبران باسيل، صهر ميشال عون، وهو يستكمل بذلك قيادة التيار بعد ميشال عون، ويسعى للحفاظ على مكانته السياسية. ويخضع جبران باسيل حالياً لعقوبات أمريكية بسبب قضايا فساد، وهي عقوبات أثرت على صورته السياسية ودوره في المشهد اللبناني، ووضعت تحديات أمام طموحاته السياسية. يمتلك التيار الوطني الحر أعضاء في البرلمان، لكنه لا يملك أي وزراء في الحكومة الحالية، مما يعكس تحديات سياسية يواجهها التيار في تشكيل الحكومة، وربما يشير إلى تراجع في نفوذه التنفيذي.
يُظهر المشهد السياسي اللبناني تعقيداً فريداً، حيث تتداخل المصالح الطائفية والسياسية والإقليمية بشكل وثيق. كل من هذه القوى، سواء حزب الله، التيار الوطني الحر، القوات اللبنانية، تيار المستقبل، الحزب التقدمي الاشتراكي، أو حركة أمل، تلعب دوراً حاسماً في تشكيل مسار البلاد. هذه الأحزاب والتحالفات تعكس التنوع الطائفي والسياسي في لبنان، وتؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الحكومي والقدرة على اتخاذ قرارات وطنية حاسمة. إن فهم هذه الديناميكيات ضروري لأي تحليل معمق للوضع اللبناني، حيث أن التوازن بين هذه القوى هو الذي يحدد غالباً اتجاهات السياسة الداخلية والخارجية للبنان.