إيهود باراك يحذر من تكرار أخطاء الماضي في لبنان ويدعو لحل سياسي

Members of the Israeli security forces check the apparent remains of an Iranian ballistic missile lying on the ground on the outskirts of Qatzrin, Golan Heights, Israel.
الصورة عبر News

دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك إلى حل سياسي شامل ومستدام في لبنان، محذراً بشدة من تكرار "أخطاء الماضي" التي أدت إلى استنزاف طويل الأمد للقوات الإسرائيلية هناك. تأتي هذه الدعوة في وقت تزداد فيه حدة التوترات على الحدود الشمالية لإسرائيل، وفي ظل تأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس أن الجيش سيبقى في جنوب لبنان.

وأشار باراك، البالغ من العمر 84 عاماً، إلى تجربته الشخصية في الانسحاب من لبنان عام 2000، وهي خطوة تاريخية قام بها أثناء توليه رئاسة الوزراء. غالباً ما يُسأل باراك عن سبب سحبه للقوات في ذلك العام، لكنه يرى أن "السؤال الصحيح ليس لماذا فعلت ذلك في عام 2000، بل لماذا لم يتم ذلك قبل 15 عاماً". ووصف باراك الوجود الإسرائيلي في لبنان قبل الانسحاب بأنه "مأساة مطولة ليس لها تفسير منطقي لسبب وجودنا هناك". هذا الاحتلال الإسرائيلي الذي دام قرابة عقدين في لبنان، والذي يعرف بالمنطقة الأمنية، ترك بصمات عميقة على المشهد السياسي والأمني في كلا البلدين. وأضاف باراك في تحليله للوضع الحالي والمستقبلي أن "لا توجد طريقة لهزيمة حزب الله بالكامل دون احتلال لبنان بأكمله، وهو أمر غير عملي على الإطلاق". وأوضح من خلال تجربته السابقة أن القوات الإسرائيلية كانت تقتل عناصر العدو باستخدام تقنيات الأشعة تحت الحمراء المتطورة في ذلك الوقت، لكنهم "خلال عامين، كانوا ينتجون عبوات ناسفة تشبه عبواتنا تماماً"، مؤكداً أن "إذا قاتلت قوة فعالة، فإنك تتحسن". ووصف باراك فكرة تحقيق نصر عسكري كامل وحاسم في لبنان حالياً بأنها "وهم مطلق". على النقيض من رؤية باراك هذه، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس بأن الجيش سيبقى في جنوب لبنان، مؤكداً على استمرارية الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة.

تحذيرات باراك من مستنقع عسكري وتصريحات نتنياهو المتشددة

على النقيض من تحذيرات باراك الصريحة من الوقوع في مستنقع عسكري جديد، أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن إسرائيل لن تسمح بتوجيه أي إطلاق نار نحو أراضيها. وصرح نتنياهو بأن "لن نسمح بتوجيه النار نحو أراضينا"، مشدداً على أن القوات الإسرائيلية تضرب حزب الله "بقوة كبيرة". وأضاف رئيس الوزراء أن "نحن نضربهم بقوة كبيرة، ونعلم أن حزب الله في تراجع". هذه التصريحات التي أدلى بها نتنياهو تأتي في سياق يتسم بتوتر مستمر وتصعيد متزايد على الحدود الشمالية لإسرائيل مع لبنان، حيث تتصاعد المواجهات العسكرية بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله بشكل شبه يومي. وتؤكد هذه التصريحات على تصميم الحكومة الإسرائيلية على الرد بقوة على أي تهديدات أمنية.

وفي تطور آخر ذي صلة بالعمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، تسيطر القوات الإسرائيلية حالياً على أكثر من 60% من الأراضي في غزة. يُنظر إلى هذه السيطرة الواسعة على أنها جزء من العمليات العسكرية الأوسع التي تُنفذها إسرائيل في المنطقة، والتي تهدف إلى تحقيق أهداف أمنية محددة. لم يوضح نتنياهو في تصريحاته الأخيرة ما إذا كانت هذه السيطرة العسكرية في غزة تمثل نموذجاً يمكن تطبيقه أو مقارنته بالوضع على الحدود اللبنانية، أو كيف تؤثر على تقييمه لتراجع حزب الله. وتأتي هذه التطورات الميدانية في غزة بينما يستمر النقاش الداخلي في إسرائيل حول الاستراتيجية الأنسب للتعامل مع التحديات الأمنية متعددة الجبهات التي تواجهها البلاد، سواء في الشمال أو الجنوب.

تصعيد التوترات الإقليمية وتداعياته الدبلوماسية والعسكرية

بدأت هجمات حزب الله في أوائل مارس/آذار، تزامنًا مع تعرض إيران لهجوم مشترك من الولايات المتحدة وإسرائيل، وذلك في خطوة وصفها البعض بأنها إظهار للدعم الإيراني لحلفائها في المنطقة. وفي تطور لاحق ومثير للقلق، أشارت إيران إلى الهجمات الإسرائيلية في لبنان كسبب رئيسي لإطلاقها صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل، مما رفع من مستوى التصعيد الإقليمي بشكل كبير. وردت إسرائيل على هذا التصعيد المباشر بشن غارات جوية على أهداف استراتيجية داخل إيران، مما أثار مخاوف دولية واسعة من اندلاع صراع أوسع نطاقاً في الشرق الأوسط.

وقد أدت هذه التوترات المتصاعدة إلى تدخل دولي مكثف في محاولة لاحتواء الوضع ومنع المزيد من التدهور. في هذا السياق، طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إما وقف الهجمات في لبنان بالكامل أو على الأقل تقليصها بشكل كبير، في إشارة إلى قلق الإدارة الأمريكية من اتساع نطاق الصراع وما قد يترتب عليه من عدم استقرار إقليمي ودولي. هذا التدخل الأمريكي يعكس الأهمية الجيوسياسية للمنطقة والمخاوف من أن يتحول الصراع إلى مواجهة أوسع نطاقاً قد تشمل قوى دولية أخرى. وفي سياق الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تخفيف حدة التوتر، التقت وفود حكومية إسرائيلية ولبنانية في واشنطن الأسبوع الماضي. وأعلنت الوفود عن تجديد اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان قد أبرم في أبريل/نيسان، في محاولة لتثبيت الاستقرار ومنع المزيد من التصعيد على الحدود بين البلدين. تهدف هذه الخطوة الدبلوماسية إلى توفير نافذة للتهدئة وتجنب المواجهة الشاملة، وتقديم فرصة للأطراف للعودة إلى طاولة المفاوضات.

الوضع الميداني والآراء المتضاربة حول الصراع

تتمركز قوة عسكرية إسرائيلية كبيرة حالياً في جنوب لبنان، حيث تخوض قتالاً عنيفاً ومستمراً ضد حزب الله. هذا الوجود العسكري المكثف يعكس حجم التحدي الأمني الذي تراه إسرائيل في المنطقة، ويؤكد على استمرار الاشتباكات الميدانية التي لم تتوقف رغم الجهود الدبلوماسية. وعلى صعيد آخر، وصف نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم تجديده مؤخراً بأنه "عبثي ومهين ومذل"، مما يشير إلى رفض الحزب لهذه الترتيبات ويعكس استمرار التوتر وعدم الثقة بين الأطراف. هذا الموقف يعكس عمق الخلافات بين حزب الله وإسرائيل، ويبرز الصعوبات الكبيرة في التوصل إلى حلول دائمة ومقبولة من جميع الأطراف. تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات الميدانية التي خلفت أعداداً كبيرة من الضحايا والنازحين من كلا الجانبين.

ووفقاً لوزارة الصحة اللبنانية، فقد قُتل أكثر من 3600 لبناني في القتال الأخير، وهي حصيلة مأساوية تعكس شدة المواجهات وعنفها المتزايد. كما أدت الاشتباكات العنيفة إلى نزوح أكثر من مليون شخص داخل لبنان، الذي يبلغ عدد سكانه أقل من ستة ملايين نسمة، مما يشكل أزمة إنسانية كبرى وعبئاً هائلاً على البنى التحتية والخدمات الأساسية في البلاد. هذا النزوح الجماعي يضع ضغوطاً هائلة على الموارد المحدودة للبنان، ويزيد من تعقيد الوضع الإنساني والاقتصادي في بلد يعاني بالفعل من أزمات متعددة. رغم هذه التداعيات الإنسانية الكبيرة والتحذيرات من تكرار أخطاء الماضي، تشير استطلاعات رأي مستمرة داخل إسرائيل إلى أن أغلبية كبيرة من الإسرائيليين تؤيد الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان، مما يعكس دعماً شعبياً للنهج الأمني المتشدد. هذه الاستطلاعات تسلط الضوء على الانقسام العميق بين الرأي العام الإسرائيلي والتحذيرات التي يطلقها شخصيات مثل إيهود باراك، وتشير إلى أن هناك تفضيلاً واضحاً للحلول العسكرية في مواجهة التهديدات الأمنية. تعكس هذه الأرقام والآراء المتباينة التحديات المعقدة على الأرض والتباين العميق في المواقف تجاه الصراع المستمر في المنطقة، مما يجعل الحلول الدبلوماسية والعسكرية على حد سواء محفوفة بالصعوبات.

دروس التاريخ والحلول المقترحة لمستقبل لبنان

تطرق رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، البالغ من العمر 84 عاماً، إلى تجربة الاحتلال الإسرائيلي الذي دام قرابة عقدين في لبنان، مستذكراً الدروس المستفادة من تلك الفترة الطويلة. وقال باراك: "أُسأل أحياناً: 'لماذا سحبت الجنود من المنطقة الأمنية (اللبنانية) في عام 2000؟' أقول إن السؤال الصحيح ليس لماذا فعلت ذلك في عام 2000، بل لماذا لم يتم ذلك قبل 15 عاماً". ووصف باراك الوجود العسكري هناك بأنه "مأساة مطولة ليس لها تفسير منطقي لسبب وجودنا هناك"، مشدداً على أن استمرار هذا الوجود لم يحقق الأهداف المرجوة بل أدى إلى استنزاف بشري ومادي كبير. ويُذكر أن مجموعة "الأمهات الأربع" (Four Mothers)، التي قادتها أمهات جنود إسرائيليين، نظمت مسيرات حاشدة للمطالبة بالانسحاب من لبنان، مما شكل ضغطاً شعبياً كبيراً على الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت وأثر بشكل مباشر على قرار الانسحاب.

تؤكد رؤية باراك على ضرورة تجنب الانجرار إلى صراعات طويلة الأمد لا يمكن حسمها عسكرياً بشكل كامل، وتدعو إلى البحث عن حلول سياسية مستدامة تضمن الأمن على المدى الطويل دون تكلفة بشرية ومادية باهظة. في ظل التوترات الراهنة، يبقى النقاش مفتوحاً حول أفضل السبل لضمان أمن الحدود الإسرائيلية مع لبنان، مع الأخذ في الاعتبار التعقيدات الإقليمية والدولية وتأثيرها على أي قرار مستقبلي. إن التباين بين دعوات باراك للحل السياسي وتأكيدات نتنياهو وكاتس على القوة العسكرية يعكس الانقسام العميق داخل القيادة الإسرائيلية حول كيفية التعامل مع التحديات الأمنية في المنطقة. يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت إسرائيل ستتعلم من "أخطاء الماضي" التي حذر منها باراك، أم أنها ستستمر في نهج قد يؤدي إلى تكرار سيناريوهات الاستنزاف التي شهدتها المنطقة سابقاً، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات إنسانية واقتصادية وأمنية على كلا الجانبين.