في تطور عسكري هام، سيطرت القوات الإسرائيلية على قلعة الشقيف (Beaufort Castle) التاريخية، التي يعود تاريخها إلى 900 عام، وعلى التلال الاستراتيجية المحيطة بها في جنوب لبنان. يأتي هذا التطور بعد أكثر من ستة أسابيع من دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ، والذي كان قد بدأ في شهر أبريل. وقد جاءت السيطرة على القلعة في أعقاب أحد أثقل أيام هجمات حزب الله على شمال إسرائيل منذ ذلك الوقف لإطلاق النار. ووقعت عملية الاستيلاء على قلعة الشقيف، الواقعة بالقرب من مدينة النبطية اللبنانية، بعد عدة أيام من الضربات الجوية المكثفة والاشتباكات العنيفة التي شهدتها القرى المجاورة للقلعة. هذا الإعلان عن السيطرة تم من قبل الجيش الإسرائيلي يوم الأحد.
قلعة الشقيف: موقع تاريخي وعسكري محوري
لطالما كانت قلعة بوفورت، التي تُعرف باللغة العربية باسم قلعة الشقيف، موقعًا عسكريًا استراتيجيًا ذا أهمية بالغة لأكثر من ألف عام. يقع هذا الموقع الحيوي على بعد بضعة كيلومترات فقط شمال الحدود الإسرائيلية، ما يمنحه أهمية جغرافية وعسكرية لا يمكن تجاهلها في أي صراع بالمنطقة. بُنيت القلعة في الأصل من قبل الصليبيين في القرن الثاني عشر الميلادي، وذلك على أنقاض تحصينات سابقة كانت موجودة في الموقع، مما يدل على الأهمية الدفاعية للمكان منذ عصور قديمة. وقد أطلق عليها الصليبيون اسم بوفورت، ويعني "القلعة الجميلة" بالفرنسية القديمة، نظراً لموقعها المهيمن وإطلالتها البانورامية على المناطق المحيطة. هذا الموقع المرتفع جعلها نقطة مراقبة وتحكم مثالية عبر التاريخ، مما أضاف إلى قيمتها الاستراتيجية والعسكرية.
على مر القرون، شهدت القلعة تعاقب العديد من القوى التي احتلتها، مما يعكس أهميتها الاستراتيجية المستمرة في المنطقة. فقد توالى على احتلالها الصليبيون، الذين بنوها في القرن الثاني عشر، ثم جيش صلاح الدين الأيوبي بعد تحرير القدس، تلاهم المماليك، فالعثمانيون الذين حكموا المنطقة لقرون، وبعدهم سلطات الانتداب الفرنسي التي سيطرت على لبنان وسوريا في القرن العشرين. وفي فترات لاحقة من التاريخ الحديث، أصبحت القلعة تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية، التي استخدمتها كمعقل مهم، وأخيرًا، استولى عليها الجيش الإسرائيلي في مناسبات مختلفة، مما يؤكد دورها كبؤرة للصراعات الإقليمية. إن تاريخها الطويل كحصن عسكري يؤكد قيمتها الاستراتيجية الدائمة في جنوب لبنان، ليس فقط كحصن دفاعي بل كنقطة انطلاق لمراقبة وتحكم في المنطقة الحدودية.
تاريخ السيطرة الإسرائيلية على القلعة واستخدامها كقاعدة
لم تكن سيطرة القوات الإسرائيلية على قلعة الشقيف هذا الأحد هي الأولى من نوعها. فقد سبق للقوات الإسرائيلية أن سيطرت على القلعة في عام 1982، واحتفظت بالسيطرة عليها بشكل متواصل حتى انسحابها من لبنان في عام 2000. وجاء الاستيلاء على الحصن من منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1982 كنجاح كبير للجيش الإسرائيلي، حيث كانت القلعة تمثل معقلاً هاماً للمنظمة، وتوفر لها موقعاً استراتيجياً متقدماً. خلال فترة احتلالها لجنوب لبنان، استخدمت القوات الإسرائيلية القلعة كقاعدة عسكرية رئيسية لها، مما سمح لها بمراقبة المنطقة والتحكم في تحركاتها بين عامي 1982 و2000. هذه الفترة الطويلة من الاستخدام العسكري الإسرائيلي للقلعة تؤكد على أهميتها التكتيكية والتشغيلية في أي صراع بالمنطقة، حيث كانت نقطة ارتكاز للعمليات العسكرية ومراقبة الحدود الشمالية لإسرائيل. هذا التاريخ من الاحتلال والاستخدام العسكري يبرز الأهمية التكتيكية للموقع وكونه هدفاً عسكرياً متكرراً.
تداعيات استراتيجية وحماية ثقافية دولية
أعلن الجيش الإسرائيلي يوم الأحد عن سيطرته على قلعة الشقيف، مشيراً إلى أن هذا الإجراء يأتي في سياق التوترات المستمرة والتصعيد الأخير في المنطقة. لطالما كانت القلعة موقعاً استراتيجياً حيوياً في جنوب لبنان، مما يجعل السيطرة عليها ذا أهمية عسكرية كبيرة من حيث التحكم في التضاريس المحيطة والمراقبة. لم يقدم الجيش الإسرائيلي تفاصيل إضافية حول العملية العسكرية التي أدت إلى السيطرة على القلعة أو الظروف الدقيقة المحيطة بالإعلان، مكتفياً بالتأكيد على تحقيق السيطرة. تتمركز القلعة بالقرب من مدينة النبطية، إحدى المدن الرئيسية في جنوب لبنان، مما يضيف إلى أهميتها الجغرافية والاستراتيجية في المنطقة، كونها تطل على طرق ومناطق سكنية حيوية.
على الصعيد الثقافي والتراثي، حظيت قلعة الشقيف باهتمام دولي بالغ. ففي عام 2024، منحت منظمة اليونسكو وضع الحماية لأربعة وثلاثين موقعاً ثقافياً عبر لبنان، وشملت هذه المواقع قلعة بوفورت، المعروفة أيضاً بقلعة الشقيف، لما لها من قيمة تاريخية ومعمارية فريدة. جاء هذا الإجراء خلال الصراع السابق بين إسرائيل وحزب الله، مما يؤكد الاعتراف الدولي بالقيمة الثقافية والتاريخية للقلعة وضرورة حمايتها من الأضرار التي قد تنتج عن النزاعات المسلحة. يهدف تصنيف اليونسكو إلى الحفاظ على هذه المواقع من التلف أو التدمير في أوقات النزاع المسلح، ويشدد على أهمية التراث الثقافي حتى في خضم الصراعات الجارية. يقع هذا الموقع التاريخي الهام على بعد بضعة كيلومترات شمال الحدود الإسرائيلية، مما يضعه في قلب منطقة تشهد توترات عسكرية متواصلة ويجعله عرضة للمخاطر التي تهدد المواقع التراثية في مناطق الصراع.