أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، يوم الاثنين، أن انسحاب إسرائيل من جنوب البلاد يمثل مطلباً "غير قابل للتفاوض"، مشدداً على هذا الموقف الثابت الذي يعتبره حجر الزاوية في السيادة الوطنية. وتأتي تصريحات الرئيس عون هذه تزامناً مع استعدادات مكثفة لعقد جولة رابعة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل مطلع يونيو المقبل، والتي تهدف إلى معالجة القضايا العالقة بين البلدين. وقد جاء تأكيد الرئيس عون في ظل واقع وصفه بـ"مؤلم" للبنان، حيث قال إن "هذا العام، تأتي ذكرى التحرير ولبنان مثقل بواقع أليم"، في إشارة إلى التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه البلاد.
وأضاف الرئيس عون أن "الهجمات الإسرائيلية لم تتوقف، وقرانا الجنوبية العزيزة لا تزال تعاني تحت احتلال متجدد"، مؤكداً أن "لبنان لن يقبل بهذا الواقع، ولن يتوانى عن المطالبة بحقوقه المشروعة". وشدد عون على أن "طريق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية سيبقى مطلباً وطنياً ثابتاً وغير قابل للمساومة، تعمل الدولة اللبنانية على تحقيقه عبر خيار المفاوضات والمساعي الدبلوماسية". واعتبر عون أن "تحرير الجنوب واجب تتحمله الدولة بدعم شعبها الصامد، وهو يمثل أولوية قصوى لضمان استقرار وسيادة لبنان". هذه التصريحات تعكس موقفاً لبنانياً موحداً تجاه قضية الانسحاب الإسرائيلي، وتؤكد على أهمية المفاوضات كوسيلة لتحقيق هذا الهدف.
تصعيد عسكري إسرائيلي في الجنوب اللبناني
في سياق متصل، أدان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ما وصفه بـ "الدعوة المتهورة من حزب الله للإطاحة بحكومة لبنان المنتخبة ديمقراطياً"، وذلك في سياق التوترات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة. تأتي هذه الإدانة في وقت تشهد فيه الحدود اللبنانية الجنوبية تصعيداً عسكرياً ملحوظاً، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها في الأراضي اللبنانية. وقد بدأت القوات الإسرائيلية التي توغلت في لبنان خلال الحرب الأخيرة مع حزب الله، والتي انطلقت في الثاني من مارس، عملياتها داخل ما أطلقت عليه "الخط الأصفر". يمتد هذا الخط لمسافة 10 كيلومترات تقريباً داخل الأراضي اللبنانية، مما يشير إلى نطاق التوغل الحالي للجيش الإسرائيلي وتأثيره على المناطق الحدودية.
وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار الذي كان من المفترض أن يدخل حيز التنفيذ منذ السابع عشر من أبريل، فقد واصل الجيش الإسرائيلي شن غارات مكثفة تتجاوز بكثير المنطقة المحددة بـ "الخط الأصفر". هذه الغارات تثير مخاوف جدية بشأن استدامة الهدوء الهش في المنطقة، وتزيد من تعقيد الوضع الأمني على الحدود. وفي خطوة تصعيدية أخرى، وجهت قوات الدفاع الإسرائيلية تحذيرات إلى سكان عشر قرى في جنوب لبنان، مطالبة إياهم بإخلاء منازلهم. يأتي هذا التحذير استعداداً لشن غارات متوقعة تستهدف ما تدعيه إسرائيل بأنها أهداف تابعة لحزب الله، مما ينذر بمزيد من التصعيد العسكري وتهجير المدنيين في المنطقة، ويضيف طبقة جديدة من التوتر إلى المشهد الأمني المتأزم.
موقف حزب الله من المحادثات
أعاد رئيس حزب الله، نعيم قاسم، التأكيد على معارضته للمحادثات المباشرة مع إسرائيل، ورفض جماعته القاطع لنزع السلاح. صرح قاسم، ضمن سياق تصريحاته التي تعكس موقف الحزب، أن "إذا كانت هذه الحكومة غير قادرة على ضمان السيادة، فيجب أن ترحل"، في إشارة إلى الحكومة اللبنانية الحالية. تأتي هذه التصريحات في ظل استعدادات لعقد جولة رابعة من المحادثات مطلع يونيو، والتي أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أنها ستطالب بانسحاب إسرائيل الكامل من جنوب البلاد. موقف قاسم يعكس التباين الواضح في الرؤى بين الأطراف اللبنانية حول سبل التعامل مع التحديات الإقليمية.
وانتقد قاسم الوضع السياسي الحالي في لبنان بشدة، مشيراً إلى ما وصفه بالتدخلات الخارجية السافرة التي تؤثر على القرار الوطني. وتساءل قاسم قائلاً: "أين هي السيادة إذا كانت أمريكا تدير تروس الدولة اللبنانية؟" تعكس هذه التصريحات موقف حزب الله الثابت تجاه أي مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، وتشدد على رفضه التخلي عن سلاحه، الذي يعتبره جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية "المقاومة". ويأتي هذا الموقف ليضيف تعقيداً إلى المشهد السياسي والأمني في لبنان، خاصة مع استمرار التوترات على الحدود الجنوبية وتصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، مما يضع ضغوطاً إضافية على جهود التهدئة والاستقرار.
مفاوضات ترسيم الحدود والمسار المستقبلي
بدأت لبنان وإسرائيل محادثات بوساطة أمريكية الشهر الماضي، وذلك في سياق يهدف إلى ترسيم الحدود البحرية بين البلدين. تهدف هذه المحادثات إلى معالجة نقطة خلاف رئيسية بين الدولتين، خاصة فيما يتعلق بمناطق التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، والتي تعد مصدراً محتملاً للثروة لكلا البلدين. تأتي هذه الخطوة الدبلوماسية في ظل توترات مستمرة على الحدود البرية، حيث سبق أن أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب البلاد مطلب "غير قابل للتفاوض". وقد شدد عون على أن طريق الانسحاب الإسرائيلي الكامل سيبقى مطلباً وطنياً ثابتاً، تعمل الدولة اللبنانية على تحقيقه عبر خيار المفاوضات، مع التأكيد على أهمية الدبلوماسية في حل النزاعات. هذه المحادثات تمثل محاولة لتخفيف التوترات الإقليمية عبر قنوات دبلوماسية بدعم من الولايات المتحدة، التي تسعى إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة.
وفي تطور ذي صلة، من المقرر عقد اجتماع بين وفدين عسكريين في التاسع والعشرين من مايو الجاري في مبنى البنتاغون بواشنطن. لم يتم الكشف عن تفاصيل جدول أعمال هذا الاجتماع بشكل علني، إلا أنه يُتوقع أن يتناول قضايا أمنية وعسكرية ذات اهتمام مشترك، وربما يبحث آليات لتعزيز الاستقرار على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. يأتي هذا الاجتماع في أعقاب تصعيد عسكري إسرائيلي في جنوب لبنان، شمل غارات مكثفة وتحذيرات لسكان القرى بالإخلاء، مما يزيد من الحاجة إلى قنوات اتصال وتنسيق. يعكس انعقاد هذا الاجتماع في البنتاغون اهتمام الولايات المتحدة المستمر بالوضع الأمني في المنطقة وجهودها للمساعدة في إدارة التوترات بين لبنان وإسرائيل، وربما تمهيد الطريق لمزيد من الحوار حول القضايا الأمنية الحساسة.