سوّت القوات الإسرائيلية 48 قرية وبلدة بالأرض من أصل نحو 60 قرية وبلدة في جنوب لبنان حتى تاريخ 12 أكتوبر 2026. وتكشف البيانات الميدانية أن هذا المستوى من التدمير طال البنية التحتية والمساكن في تلك المناطق بشكل شبه كلي. وفي هذا السياق، قالت جانينا ديل، الأستاذة في الأمن العالمي بجامعة أكسفورد: "من غير المعقول أن تنطبق الضرورة العسكرية الملحة على كل منزل في قرية معينة". وتأتي هذه التصريحات لتسلط الضوء على التساؤلات المتعلقة بطبيعة العمليات العسكرية التي استهدفت التجمعات السكنية المدنية في المنطقة.
أدت الحملة العسكرية الإسرائيلية منذ مارس 2026 إلى نزوح ما لا يقل عن 1.1 مليون مدني لبناني. وقد تسببت هذه الموجات الكبيرة من النزوح في ضغوط اجتماعية وإنسانية واسعة النطاق. وصرحت كريستين بيكرلي، نائبة المدير الإقليمي لمنظمة العفو الدولية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قائلة: "في أجزاء واسعة من جنوب لبنان، أعقبت أوامر إسرائيل القاضية بـ 'مغادرة الجميع' أوامر أخرى بـ 'عدم العودة'". تعكس هذه الأرقام والشهادات حجم الدمار الممنهج الذي لحق بالمنطقة في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار، حيث باتت العودة إلى الديار أمراً بعيد المنال بالنسبة للكثيرين.
تدمير القرى والتهجير القسري للسكان
حتى تاريخ 14 أكتوبر 2026، لا يزال نحو 270 ألف شخص غير قادرين على العودة إلى منازلهم في جنوب لبنان. يأتي هذا الواقع في ظل عمليات تدمير واسعة النطاق للمناطق السكنية التي حولت القرى إلى مناطق غير صالحة للسكن. وفي يوليو 2026، أقر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن إسرائيل دمرت ما لا يقل عن 24 قرية لبنانية تاريخية.
وصرح يسرائيل كاتس قائلاً: "أربع وعشرون قرية لبنانية كانت قائمة منذ مئات السنين، وبها سكان شيعة عملوا كأعداء [لإسرائيل] نيابة عن حزب الله وهددوا حدودنا وسكاننا، قمنا بتدمير كافة مبانيها". تعكس هذه التصريحات والبيانات حجم التغيير الديموغرافي والجغرافي الذي طال المنطقة، حيث يواجه مئات الآلاف من المدنيين اللبنانيين تعقيدات تمنعهم من استعادة حياتهم الطبيعية في القرى المتضررة، في ظل غياب أي خطط واضحة لإعادة الإعمار أو السماح بالعودة الآمنة للسكان إلى القرى التي تعرضت للمسح الشامل.
الاستراتيجية العسكرية وتغيير معالم الأرض
أحرقت القوات الإسرائيلية ما يقارب 16,500 فدان من الأراضي في جنوب لبنان منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أبريل 2026. وتمثل هذه المساحة المحروقة 11 في المئة من إجمالي المنطقة التي احتلتها القوات الإسرائيلية. إن عمليات الحرق هذه أدت إلى تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمناطق الطبيعية، مما يفاقم الأزمة الاقتصادية والبيئية التي يواجهها سكان الجنوب اللبناني.
بالتوازي مع ذلك، كشفت صور الأقمار الصناعية أن إسرائيل بدأت في بناء ثلاثة مواقع عسكرية جديدة على الأقل داخل الأراضي اللبنانية منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار. وأظهرت الصور أن هذه المواقع العسكرية قد بُنيت بشكل جزئي في مواقع متفرقة بجنوب لبنان، مما يشير إلى تغييرات ميدانية مستمرة في جغرافية المنطقة عقب توقف العمليات القتالية المباشرة بين الطرفين. وتؤكد هذه المعطيات أن الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان يتخذ أشكالاً دائمة، مما يكرس واقعاً ميدانياً جديداً يختلف جذرياً عما كان عليه الوضع قبل مارس 2026.