أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" يوم السبت بأن إسرائيل استخدمت الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان، بما في ذلك حول مدينتي صور والنبطية، وبالقرب من ثلاث بلدات أخرى منذ مارس. يأتي هذا في سياق تصاعد الهجمات بعد أن شنت القوات الإسرائيلية اجتياحًا واسع النطاق لجنوب لبنان في مارس، إثر بدء حزب الله إطلاق الصواريخ عبر الحدود عقب هجوم مشترك للولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. كانت إسرائيل قد استأنفت ضرباتها ضد جماعة حزب الله المدعومة من إيران في لبنان بعد وقت قصير من ضرب إسرائيل والولايات المتحدة لإيران بشكل مشترك في نهاية فبراير. وقد أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقريرها يوم السبت أن الصحيفة قامت بتحقيق في لقطات مصورة، وخلصت إلى استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض في المواقع المذكورة.
وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) استخدام الفوسفور الأبيض في يحمر (Yohmor) في مارس، كما تحققت بشكل منفصل من استخدامه بالقرب من بلدتي الخيام ويحمر ذات الأغلبية الشيعية، وقرية القليعة المسيحية. كما وثقت المنظمة استخدامه في مناطق مدنية لبنانية خلال صراع سابق مع حزب الله في عام 2023. وكانت تقارير قد أفادت بأن حزب الله أعاد إشعال الصراع عبر الحدود بإطلاق مقذوفات على تجمعات سكانية في شمال إسرائيل في أوائل مارس. وقد أفادت تقارير في ديسمبر 2023 بأن صحيفة "واشنطن بوست" ذكرت أن بعض الذخائر المستخدمة في جنوب لبنان تم توريدها لإسرائيل من قبل الولايات المتحدة. وعلى الرغم من موافقة لبنان وإسرائيل على وقف إطلاق النار يوم الأربعاء، إلا أن حزب الله رفض هذا الاتفاق، ما أدى إلى استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية التي أودت بحياة تسعة أشخاص، بينهم ثلاثة من أفراد الجيش اللبناني، منذ رفض وقف إطلاق النار.
توثيق استخدام الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان
وثقت لقطات بثت الأسبوع الماضي استخدام ذخائر ذات أثر دخاني مميز في بلدة أرنون، بينما كانت القوات الإسرائيلية تتحرك للسيطرة على قلعة الشقيف القريبة. وقد خلص خبراء الذخائر الذين قاموا بتحليل هذه الصور إلى أنها أظهرت قذائف تطلق الفوسفور المحترق بعد انفجارها في الجو. هذه اللقطات التي تم بثها قدمت دليلاً مرئياً على طبيعة الذخائر المستخدمة، حيث أظهرت نمط دخان يتوافق مع خصائص الفوسفور الأبيض، مما عزز المزاعم حول استخدام هذه المادة. في المقابل، نفى الجيش الإسرائيلي استخدامه للفوسفور الأبيض في قذائفه الدخانية، مؤكداً أن استخداماته تتوافق مع القانون الدولي.
في سياق متصل، وثق تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش عام 2024 استخدامه على نطاق واسع في لبنان. وقد تحققت المنظمة من نشره في ما لا يقل عن 17 بلدية لبنانية بين أكتوبر 2023 ويونيو 2024، وحثت الجيش الإسرائيلي على الوقف الفوري لاستخدامه. وقد جاء هذا التوثيق ضمن جهود المنظمة لمراقبة انتهاكات حقوق الإنسان وتأثير النزاعات المسلحة على المدنيين. كما ذكرت هيومن رايتس ووتش أنها تحققت بشكل منفصل من استخدام أسلحة حارقة فوق المنازل في جنوب لبنان بتاريخ 3 مارس، مما يشير إلى استهداف مناطق سكنية بهذه المواد ويزيد من المخاوف بشأن سلامة المدنيين.
خصائص الفوسفور الأبيض ومخاطره
الفوسفور الأبيض هو مادة كيميائية صلبة تُطلق من قذائف المدفعية والقنابل، وتحترق عند ملامستها للأكسجين. تُعد هذه المادة شديدة الاشتعال وتتفاعل بقوة مع الهواء. تصل درجة حرارة احتراق المادة الكيميائية إلى أكثر من 800 درجة مئوية، وتُصدر سحبًا من الدخان الكثيف تستخدمها الجيوش لأغراض تكتيكية، مثل التغطية البصرية أو تحديد الأهداف. ومع ذلك، فإن هذه الخصائص تجعلها خطيرة للغاية على المدنيين والبيئة.
يتسبب الفوسفور الأبيض في حروق شديدة عند ملامسته للأشخاص نتيجة للحرارة الشديدة، ويمكن أن تخترق هذه الحروق الجلد وتصل إلى العظام، مما يؤدي إلى إصابات بالغة ومؤلمة تستلزم علاجاً طويلاً ومعقداً. يمكن أن يؤدي ذلك إلى اندلاع حرائق تستمر لأيام على الأرض، مما يدمر المباني ويتلف الأراضي الزراعية والبنى التحتية، ويترك آثاراً بيئية واقتصادية مدمرة. يمكن أن يتسبب استنشاق دخان الفوسفور الأبيض في أضرار دائمة للعيون والأعضاء الداخلية، مثل الجهاز التنفسي، وقد يؤدي إلى مشاكل صحية مزمنة أو الوفاة. يمكن لقذيفة مدفعية واحدة من الفوسفور الأبيض أن تتساقط عبر منطقة يتراوح قطرها بين 125 و 250 مترًا إذا انفجرت في الجو، مما يعني أن منطقة واسعة يمكن أن تتأثر بشكل مباشر بقطرات هذه المادة الحارقة. هذه القدرة على الانتشار الواسع تزيد من مخاطر استخدامه في المناطق المأهولة بالسكان، مما يجعله سلاحًا ذا تأثير عشوائي ويشكل تهديدًا كبيرًا للحياة المدنية.
تاريخ استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض
يُعرف عن الجيش الإسرائيلي استخدامه للفوسفور الأبيض منذ حرب غزة في 2008-2009 على الأقل، حيث أُسقطت المادة الكيميائية على أحياء سكنية مكتظة بالسكان، في انتهاك للقانون الدولي. وقد وجدت تحقيقات سابقة لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن إسرائيل استخدمت الفوسفور الأبيض في غزة في عام 2009، مما أثار حينها انتقادات دولية واسعة.
في سياق متصل، وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام حوالي 200 ذخيرة خلال الصراع الذي استمر ثلاثة أسابيع في غزة، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين. أفادت تقارير بأن هذا الاستخدام للفوسفور الأبيض تسبب في إصابات بالغة بين المدنيين، بما في ذلك حروق من الدرجة الثالثة، وألحق أضرارًا واسعة بالممتلكات والبنى التحتية في المناطق المستهدفة بغزة، مما زاد من معاناة السكان وأثار تساؤلات حول مدى التزام إسرائيل بالقانون الإنساني الدولي.
تعهدت إسرائيل في عام 2013 بوقف استخدامها للفوسفور الأبيض، كما تعهدت في نفس العام بتقليل استخدامها لهذه المادة بشكل كبير. جاء هذا التعهد بعد ضغوط دولية ومراقبة من منظمات حقوق الإنسان التي وثقت الآثار المدمرة لاستخدام الفوسفور الأبيض على المدنيين والبيئة، مما دفع المجتمع الدولي للمطالبة بمساءلة والحد من استخدامه. ومع ذلك، فإن التقارير الأخيرة من جنوب لبنان تشير إلى استمرار استخدام هذه المادة، مما يثير مخاوف بشأن مدى التزام إسرائيل بتعهداتها.
القيود القانونية الدولية والردود
الفوسفور الأبيض ليس محظوراً بموجب القانون الدولي ككل، لكن استخدامه في المناطق المأهولة بالسكان أو بالقرب منها غير قانوني لأنه قد يسبب أضراراً واسعة النطاق وغير متناسبة للمدنيين. وتصنف اتفاقية الأسلحة الكيميائية الفوسفور الأبيض كعامل حارق بدلاً من اعتباره سلاحاً كيميائياً، وهو تصنيف يميز بين المواد الكيميائية السامة والذخائر التي تسبب الحرق. ومع ذلك، تمنع الاتفاقية استخدام العوامل الحارقة، مثل الفوسفور الأبيض، في المناطق المدنية، وذلك للحد من الأضرار التي قد تلحق بالمدنيين والبنية التحتية المدنية. ولم تتحقق الإذاعة الوطنية العامة (NPR) بشكل مستقل من هذه المزاعم، بينما تنفي إسرائيل استخدام الفوسفور الأبيض بطريقة تنتهك القانون الدولي، مؤكدة أنها تلتزم بالبروتوكولات الدولية. وقد استخدمت الولايات المتحدة الفوسفور الأبيض أيضاً، وكان آخر استخدام لها في العراق عام 2017، مما يبرز أن استخدام هذه المادة ليس مقتصراً على طرف واحد في النزاعات الدولية. هذا الاستخدام من قبل قوى عالمية يعقد النقاش حول حظر هذه المادة بشكل كامل، ويثير تساؤلات حول المعايير المزدوجة في تطبيق القانون الدولي.