بدأ البرلمان اللبناني يوم الأربعاء دورة تشريعية مكثفة لمناقشة والتصويت على عدد من مشاريع القوانين الهامة، من بينها مشروع قانون عفو عام قد يشمل أعدادًا كبيرة من السجناء. ومن المقرر أن يناقش النواب ويصوتوا على أكثر من 40 مشروع قانون خلال هذه الدورة التي تستمر يومين، مما يعكس جدول أعمال تشريعياً حافلاً. وتبرز من بين هذه المشاريع قوانين إلغاء عقوبة الإعدام وقانون العفو العام كأكثر الملفات أهمية وجدلاً على طاولة النقاش. وتعد هذه الدورة التشريعية هي الأولى التي يعقدها البرلمان منذ تأجيل الانتخابات لمدة عامين في مارس الماضي، وذلك في سياق تداعيات الحرب بين إسرائيل وحزب الله.
أبرز مشاريع القوانين المطروحة للنقاش
يهدف مشروع قانون العفو المطروح للنقاش بشكل أساسي إلى تخفيف الاكتظاظ في السجون اللبنانية، وهي مشكلة مزمنة تعاني منها المنظومة العقابية في البلاد. يأتي ذلك في ظل مطالبات واسعة النطاق من جهات مختلفة، تعكس تعقيدات المشهد الاجتماعي والسياسي. وتطالب عائلات السجناء الإسلاميين، وبعضهم متهم بالاعتداء على الجيش اللبناني أو المشاركة في اشتباكات عنيفة في طرابلس، بالعفو عن ذويهم، معتبرين أن الوقت قد حان لفتح صفحة جديدة. كما تطالب آلاف العائلات من منطقتي بعلبك والهرمل، المعروفتين بظروفهما الاقتصادية والاجتماعية الخاصة، بالعفو عن المتهمين في جرائم تتعلق بالمخدرات والسرقة، أملاً في إعادة دمجهم في المجتمع وتخفيف الأعباء عن كاهل الأسر. وتسعى أيضًا عائلات الذين فروا إلى إسرائيل بعد انسحابها من جنوب لبنان عام 2000 إلى الحصول على عفو لأفراد عائلاتهم، في محاولة لطي صفحة الماضي المرير وإعادة لم شمل العائلات التي فرقتها الأحداث التاريخية.
تاريخ محاولات إقرار العفو العام والانقسامات السياسية
يُذكر أن البرلمان اللبناني يسعى منذ سنوات عديدة لإقرار مشروع قانون عفو عام شامل، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق توافق بشأنه بسبب الانقسامات الطائفية والسياسية المستمرة في البلاد. هذه الانقسامات العميقة حالت دون التوصل إلى صيغة مقبولة لجميع الأطراف، مما أدى إلى تأجيل البت في هذا الملف مراراً وتكراراً، وتركه معلقاً دون حل جذري. لطالما كانت مسألة العفو العام مثار جدل حاد، حيث تتضارب المصالح وتختلف الرؤى حول من يجب أن يشمله العفو ومن يجب أن يُستثنى منه، مما يعكس التحديات الكبيرة التي تواجه عملية المصالحة الوطنية في لبنان.
كما سبق للبنان أن أقر قانون عفو عام واسع النطاق في أعقاب حربه الأهلية المدمرة التي استمرت من عام 1975 إلى 1990، وذلك في محاولة لطي صفحة الماضي المؤلم والمضي قدماً نحو المصالحة الوطنية وبناء الدولة. وقد شمل ذلك العفو شريحة واسعة من المتورطين في أحداث الحرب، بهدف تعزيز السلم الأهلي والاستقرار بعد سنوات طويلة من الصراع الدموي الذي مزق البلاد.
وضع عقوبة الإعدام في لبنان ومناقشة إلغائها
لم يتم تنفيذ عقوبة الإعدام في لبنان منذ سنوات طويلة، حيث بقيت هذه العقوبة معلّقة على الرغم من صدور أحكام قضائية بها في قضايا مختلفة. وكان آخر تنفيذ لعقوبة الإعدام في لبنان قد جرى في عام 2004، مما يعني توقف العمل بها فعلياً لأكثر من عقدين من الزمن. ويشكل هذا التوقف الفعلي لأكثر من عشرين عاماً أرضية قوية لمناقشات البرلمان الحالي حول إلغاء عقوبة الإعدام بشكل رسمي، ضمن حزمة من مشاريع القوانين المعروضة على الدورة التشريعية. يرى المؤيدون للإلغاء أن هذا التوقف الطويل يعكس توجهاً مجتمعياً نحو التخلي عن هذه العقوبة، وأن إلغاءها سيتماشى مع التطورات القانونية والإنسانية الدولية.