الإمارات تتعهد بدعم التنمية الاقتصادية للبنان في ختام منتدى أعمال ببيروت

Dr Thani Al Zeyoudi, Minister of Foreign Trade, and Lebanese President Joseph Aoun held talks during the business forum in Beirut. Photo: Wam
الصورة: Wam عبر News

تعهدت الإمارات العربية المتحدة بدعم التنمية الاقتصادية للبنان في ختام منتدى أعمال ناجح أقيم في بيروت، وذلك في إطار جهود مكثفة لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. يأتي هذا التعهد القوي في وقت يواجه فيه لبنان احتياجات اقتصادية كبيرة وملحة، بعد سنوات طويلة ومتتالية من التحديات والأزمات التي أثرت بشكل عميق على نسيجه الاقتصادي والاجتماعي.

ويشمل ذلك التداعيات المدمرة للصراع المستمر بين إسرائيل وحزب الله، الذي ألقى بظلاله على الاستقرار الإقليمي والمحلي. يواجه لبنان أزمة مالية حادة غير مسبوقة، أدت إلى تدهور كبير في قيمة العملة وارتفاع معدلات الفقر. كما لا يزال البلد يعاني من آثار الانفجار المدمر الذي ضرب مرفأ بيروت عام 2020، والذي خلف دماراً هائلاً وخسائر بشرية واقتصادية جسيمة. هذه الأحداث المتتالية والمتراكمة أدت إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد بشكل كبير، مما يجعل الدعم الخارجي، مثل الذي تقدمه الإمارات، حيوياً وأساسياً لتحقيق أي تعافٍ مستدام.

منتدى الأعمال يعزز الشراكات الاقتصادية ويفتح آفاقاً جديدة

أسفر المنتدى عن "موجة جديدة من الشراكات بين القطاع الخاص"، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية وام، مما يؤكد على الأهداف الطموحة التي سعى المنتدى لتحقيقها في تنشيط الحركة الاقتصادية. وقد شهدت الزيارة إلى لبنان مشاركة وفد إماراتي رفيع المستوى ضم 80 عضواً، مما يعكس الاهتمام الكبير والرغبة الصادقة من جانب الإمارات في تعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية وتوسيع آفاق التعاون. تم التوقيع على أربع اتفاقيات رئيسية خلال المنتدى الذي استمر يومين، بهدف ترسيخ التعاون في مجالات متعددة وفتح قنوات جديدة للاستثمار والتبادل التجاري.

تضمنت الاتفاقيات الموقعة تأسيس مجلس أعمال إماراتي لبناني، وهو كيان يهدف إلى تسهيل التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين، وتوفير منصة للحوار والتعاون بين رجال الأعمال من الجانبين. كما ربطت اتفاقية ثانية بين غرفتي التجارة في أبوظبي وبيروت، مما يعزز التواصل المباشر والفعال بين مجتمعي الأعمال لديهما، ويسهم في تذليل العقبات وتسهيل المعاملات التجارية. وفي سياق منفصل، وقعت شركة "إليت أغرو القابضة" (Elite Agro Holding) الإماراتية، وهي إحدى الشركات الرائدة في القطاع الزراعي، اتفاقيتين هامتين؛ الأولى تتعلق بالبحث الزراعي المبتكر مع الجامعة الأمريكية في بيروت، بهدف تطوير الممارسات الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي. أما الاتفاقية الثانية فكانت لتصميم البيوت الزجاجية المتطورة مع شركة "جورج دقاش وأولاده" (Georges Daccache & Sons)، مما يشير إلى اهتمام الإمارات المتزايد بالقطاع الزراعي اللبناني وإمكاناته الواعدة.

وشمل تمثيل الشركات الإماراتية في المنتدى قطاعات حيوية ومتنوعة مثل الصحة والطاقة والطيران والسياحة والذكاء الاصطناعي، مما يعكس التنوع في مجالات التعاون المقترحة والرغبة في استكشاف فرص استثمارية في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية. على هامش المنتدى، التقى الدكتور ثاني الزيودي، وزير الدولة للتجارة الخارجية بدولة الإمارات العربية المتحدة، بالرئيس اللبناني جوزيف عون في بيروت، في لقاء أكد على أهمية هذه المبادرات لتعزيز الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين البلدين وتوطيد أواصر التعاون على المستويات كافة. وقد شدد الدكتور الزيودي على أن هذه اللقاءات والاتفاقيات تهدف إلى بناء جسور دائمة للتعاون، وتوفير بيئة مواتية لنمو الاستثمارات المتبادلة التي تعود بالنفع على الشعبين الشقيقين. كما أكد الرئيس عون على ترحيب لبنان بالدعم الإماراتي، معتبراً إياه حجر زاوية في مسيرة التعافي والتنمية الاقتصادية التي يطمح إليها لبنان.

تاريخ العلاقات التجارية الثنائية والتقارب الأخير

رفعت الإمارات العربية المتحدة حظراً كان مفروضاً على سفر مواطنيها إلى لبنان في شهر يونيو الماضي، في خطوة إيجابية تأتي ضمن سياق التقارب وتعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية. يأتي هذا القرار بعد سنوات من التوتر الذي أثر بشكل كبير على حركة السياحة والاستثمار بين البلدين، وأدى إلى تراجع في التبادل البشري والثقافي. ويُنتظر أن يسهم رفع الحظر في تنشيط القطاع السياحي اللبناني، الذي يُعد أحد الركائز الأساسية للاقتصاد، وجذب المزيد من الزوار والمستثمرين الإماراتيين، مما يعود بالنفع على الاقتصاد اللبناني ويخلق فرص عمل جديدة.

بلغ حجم التجارة غير النفطية بين الإمارات ولبنان 4.2 مليار دولار أمريكي خلال العام الماضي، مما يعكس العلاقات الاقتصادية القوية والمتنامية بين الدولتين. وتشمل هذه التجارة مجموعة واسعة من السلع والخدمات، بدءاً من المنتجات الزراعية والصناعية وصولاً إلى الخدمات اللوجستية والمالية، مما يبرز التنوع في التبادل التجاري وقدرة الاقتصاديين على التكامل. وتُعد الإمارات شريكاً تجارياً رئيسياً للبنان في المنطقة، حيث تستورد وتُصدّر العديد من المنتجات الأساسية وغير الأساسية، مما يدعم سلاسل الإمداد ويساهم في استقرار الأسواق.

وقد تجاوز هذا الحجم التجاري المسجل في العام الماضي ما كان عليه في عام 2024 بأكثر من الثلث، مما يشير إلى نمو ملحوظ ومتسارع في التبادل التجاري الثنائي. يعكس هذا الارتفاع المتسارع في حجم التجارة الجهود المشتركة لتعزيز الروابط الاقتصادية وتسهيل حركة السلع والخدمات بين الإمارات ولبنان، ويؤكد على الثقة المتبادلة في الإمكانات الاقتصادية لكل منهما. وتؤكد هذه الأرقام على أن هناك إرادة سياسية واقتصادية لتعزيز هذه العلاقات والارتقاء بها إلى مستويات أعلى. وتعمل الدولتان على استكشاف المزيد من الفرص لزيادة حجم التبادل التجاري وتنويع مكوناته، بما في ذلك التركيز على القطاعات الناشئة والمبتكرة التي يمكن أن تسهم في تعزيز النمو الاقتصادي المستدام لكلا البلدين.

سياق التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المستمرة

أكدت الإمارات العربية المتحدة مجدداً التزامها الراسخ بدعم استقرار لبنان وسيادته وتنميته الاقتصادية الشاملة، في إطار الجهود الرامية لتعزيز العلاقات الثنائية ومساعدة البلاد على تجاوز التحديات الحالية التي تواجهها. ويأتي هذا التأكيد في ظل سياق إقليمي معقد ومليء بالتقلبات، حيث يواجه لبنان ضغوطاً اقتصادية وجيوسياسية متزايدة، مما يجعل الدعم الدولي والإقليمي أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على توازنه. هذا الالتزام يعكس رؤية الإمارات لدورها كشريك إقليمي فاعل يسعى لتحقيق الاستقرار والازدهار في المنطقة، ويدعم جهود لبنان في بناء مستقبل اقتصادي أكثر إشراقاً.

وفي تطور منفصل، توسطت الولايات المتحدة مؤخراً في اتفاق إطاري بين إسرائيل ولبنان، يهدف إلى معالجة بعض القضايا الحدودية العالقة بين البلدين. ورغم هذا الاتفاق، تواصلت الهجمات الإسرائيلية على لبنان، مما يعكس استمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار على الحدود الجنوبية للبلاد، على الرغم من وجود هدنة هشة وغير مستقرة. هذه التطورات الجيوسياسية تلقي بظلالها على أي جهود تهدف إلى تحقيق التعافي الاقتصادي المستدام في لبنان، وتؤكد على الحاجة الماسة إلى استقرار إقليمي أوسع لضمان نجاح المبادرات التنموية. وتظل الإمارات ملتزمة بدورها في دعم لبنان في مواجهة هذه التحديات، انطلاقاً من إيمانها بأهمية استقرار وازدهار المنطقة ككل. ويُعد هذا الدعم المتواصل رسالة واضحة بأن الإمارات تقف إلى جانب لبنان في مسيرته نحو التعافي، وتقدم يد العون في مواجهة الصعوبات الراهنة، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على سيادة لبنان ووحدة أراضيه.