عُقدت محادثات بوساطة أمريكية بين لبنان وإسرائيل في وقت سابق من هذا الشهر في واشنطن. تركزت هذه المفاوضات على قضايا حدودية وأمنية، في مسعى لتخفيف التوترات الإقليمية التي تشهدها المنطقة. جاءت هذه المحادثات في سياق إقليمي متوتر، حيث أدت ضربات إسرائيلية، وقعت مباشرة بعد الإعلان عن المفاوضات في 15 مايو، إلى مقتل ما لا يقل عن ستة وثلاثين شخصًا وإصابة أكثر من مئتين آخرين. وقعت هذه الأحداث في مناطق متفرقة، مما أثار تساؤلات جدية حول جدوى هذه المفاوضات وتأثيرها الفعلي على الديناميكيات الأمنية في المنطقة، خاصة وأنها تزامنت مع تصاعد العنف الميداني.
آلية وقف الأعمال العدائية المعلنة
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية (State Department) في 15 مايو عن تمديد "وقف الأعمال العدائية" لمدة خمسة وأربعين يومًا. هذا الإعلان جاء في سياق جهود دبلوماسية مكثفة لتهدئة الأوضاع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. تشير التقارير إلى أن هذه الصيغة تُخضع أي وقف إطلاق نار فعلي لشرطين مترابطين ومعقدين. الشرط الأول يتمثل في انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية، وهو انسحاب قد يستغرق ما يصل إلى عامين لإتمامه بالكامل. هذا الانسحاب التدريجي يهدف إلى إتاحة الوقت الكافي لإعادة ترتيب الأوضاع الأمنية على طول الحدود. أما الشرط الثاني، فيتعلق بإنشاء آلية إنفاذ شاملة تجمع الأطراف اللبنانية والإسرائيلية والأمريكية، وتهدف هذه الآلية إلى نزع سلاح حزب الله بشكل فعال. هذه الشروط المعقدة تثير تساؤلات حول مدى واقعية تطبيقها والمدة الزمنية التي قد تستغرقها، بالإضافة إلى التحديات السياسية والأمنية التي قد تنجم عن محاولة تطبيقها على الأرض، خاصة في ظل التعقيدات الداخلية والإقليمية. نُشر هذا المقال في 25 مايو 2026، مما يضع هذه التطورات في سياق زمني محدد.
إعادة تعريف المقاومة والولاء
بدأت "وقف الأعمال العدائية" المعلنة، بحسب التقارير، في 16 أبريل. وتهدف هذه الآلية إلى توفير إطار عمل واضح لخفض التوتر في المنطقة، ضمن رؤية أمريكية شاملة لإعادة ترتيب الأوراق الأمنية. تشير التقارير المتعددة إلى أن هذه الترتيبات الأمنية تتضمن إنشاء لواء جديد تمامًا تابع للجيش اللبناني. ومن المقرر أن يتم تمويل هذا اللواء بشكل كامل وتجهيزه بأحدث المعدات وتدريبه على أعلى المستويات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. تشارك واشنطن بنشاط في عملية اختيار الضباط والأفراد الذين سيشكلون قوام هذا اللواء، مما يعكس دورها المحوري والاستراتيجي في هذه المبادرة الأمنية. هذه الخطوة تأتي ضمن الجهود المبذولة لتعزيز القدرات العسكرية اللبنانية، ولكن ضمن إطار عمل يتماشى مع الترتيبات الأمنية المستجدة التي ترعاها الولايات المتحدة. ويهدف هذا الدعم الأمريكي الشامل إلى بناء قوة عسكرية لبنانية قادرة على الاضطلاع بمهام أمنية معززة، وخصوصاً في المناطق الحدودية. وتُظهر هذه التفاصيل حجم التدخل الأمريكي في إعادة هيكلة بعض الجوانب الأمنية اللبنانية، بما يتوافق مع الأهداف المعلنة لـ "وقف الأعمال العدائية" ويسعى إلى إعادة تعريف أدوار القوى الفاعلة في المشهد الأمني اللبناني. يرى البعض في هذه الخطوات محاولة لإعادة تشكيل مفهوم المقاومة والولاء في لبنان، بما يخدم مصالح أمنية أوسع في المنطقة.
تداعيات العملية على المجتمع الشيعي
تفصل العملية التفاوضية الجارية المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية إلى مسارين منفصلين، في محاولة لمعالجة الجوانب السياسية والأمنية بشكل مستقل. من المقرر استئناف المسار السياسي في 2 يونيو (حزيران)، حيث ستُناقش القضايا العالقة بين البلدين على المستوى الدبلوماسي، بما في ذلك ترسيم الحدود والقضايا السيادية الأخرى. في المقابل، يبدأ المسار الأمني في 29 مايو (أيار) في البنتاغون بالولايات المتحدة، مما يؤكد على الأهمية التي توليها واشنطن للترتيبات الأمنية في المنطقة وضرورة معالجة التحديات الأمنية بشكل مباشر. تأتي هذه الخطوات في سياق يبرز دور "مجتمع المقاومة"، الذي يشكل القاعدة الاجتماعية لحزب الله، ككتلة أساسية ومؤثرة في الساحة اللبنانية. هذه الكتلة تضم حوالي 93 بالمائة من السكان الشيعة في لبنان، وذلك بحسب استطلاعات الرأي الأخيرة التي تعكس مدى تماسك هذا المكون الاجتماعي والسياسي. تُشير هذه الديناميكية إلى أن أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية، خاصة تلك التي تتعلق بنزع سلاح حزب الله أو إعادة هيكلة الجيش اللبناني، سيكون لها تأثيرات عميقة ومباشرة على هذا المكون الديموغرافي والسياسي المحوري في البلاد. إن تجاهل هذه الحقيقة قد يؤدي إلى تعقيد الجهود الرامية لتحقيق الاستقرار الدائم في لبنان والمنطقة، وقد يثير ردود فعل غير متوقعة من قبل هذا المكون الاجتماعي والسياسي الهام.