لا تزال إسرائيل ولبنان في طريق مسدود بشأن مناطق الانسحاب المقترحة من جنوب لبنان، مع استمرار المحادثات في واشنطن التي تهدف إلى التوصل لاتفاق شامل. وتأتي هذه المفاوضات في ظل تعقيدات جيوسياسية متزايدة، ومحاولات حثيثة من الأطراف الدولية لتهدئة التوترات المستمرة على الحدود. وقد امتدت المحادثات بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني في العاصمة الأمريكية واشنطن إلى ما بعد الموعد النهائي الأصلي المحدد لها، في إشارة واضحة إلى استمرار الجهود الدبلوماسية لاحتواء التوترات المتصاعدة في المنطقة الحدودية. تدخل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مباشرة في المفاوضات، ضاغطاً على الطرفين لتقديم "إعلان نوايا" واضح قبل اختتام محادثات هذا الأسبوع، مما يؤكد على جدية المساعي الأمريكية لإحراز تقدم.
أفاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يوم الخميس أنه من المتوقع التوصل قريباً إلى اتفاق إسرائيلي-لبناني أولي، وهو ما يبعث على التفاؤل الحذر بشأن إمكانية تحقيق اختراق دبلوماسي. وقد استمرت المناقشات المكثفة في وزارة الخارجية بواشنطن ليوم الخميس لأكثر من 10 ساعات متواصلة، مما يعكس كثافة الجهود المبذولة لتقريب وجهات النظر المتباينة بين الجانبين والتوصل إلى صيغة توافقية. وكانت المحادثات مقررة أن تختتم يوم الخميس، لكنها مددت حتى صباح الجمعة لإتاحة المزيد من الوقت للمفاوضات الحساسة، في خطوة تعكس الحاجة الملحة لمواصلة الحوار. ولم يصدر تعليق فوري من الوفدين حول تفاصيل التمديد أو مدى التقدم المحرز خلال هذه الجولة الإضافية من المفاوضات، مما يشير إلى حساسية المباحثات الجارية والحرص على عدم الكشف عن تفاصيلها قبل الأوان.
خلافات عميقة حول مناطق الانسحاب الإسرائيلي
رفض حزب الله أي إعادة انتشار جزئية للقوات الإسرائيلية، مشدداً على ضرورة انسحاب القوات بشكل كامل من جميع البلدات الحدودية اللبنانية دون استثناء. هذا الموقف يعكس تمسك الحزب بالسيادة اللبنانية الكاملة على أراضيها ويرفض أي حلول وسط قد تبقي على وجود إسرائيلي مهما كان محدوداً. ويصّر لبنان بشدة على انسحاب القوات الإسرائيلية من عدة مناطق رئيسية قريبة من الحدود اللبنانية، وهو مطلب أساسي في أي تسوية مستقبلية. في المقابل، اقترح الجيش الإسرائيلي "إعادة انتشار" أبعد عن الحدود، وهو ما يعني تراجعاً محدوداً لا يلبي المطالب اللبنانية بالانسحاب الكامل. وقد رفض حزب الله رفضاً قاطعاً فكرة إعادة الانتشار إلى عدد قليل من القرى بعيداً عن الحدود، مؤكداً لمسؤولين إيرانيين أن القوات الإسرائيلية يجب أن تنسحب كلياً من البلدات الحدودية اللبنانية، وهو موقف يعكس عدم الثقة في أي حلول جزئية ويرى أن الانسحاب الكامل هو الضمان الوحيد للاستقرار.
وتناقش إسرائيل ولبنان مقترحاً تدعمه الولايات المتحدة لكي تقوم القوات الإسرائيلية بنقل بعض الأراضي اللبنانية إلى الجيش اللبناني بموجب خطة "منطقة تجريبية". وقد أثيرت هذه الفكرة كحل محتمل لكسر الجمود، على الرغم من تحفظات الأطراف. وفي هذا السياق، صرح عضو في مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي، الذي لم يُكشف عن اسمه، بأن القوات الإسرائيلية لن تغادر المناطق الحدودية بشكل كامل، مما يضع قيوداً واضحة على نطاق أي انسحاب محتمل ويؤكد على استمرار الوجود الإسرائيلي في بعض النقاط الحيوية. وقد ظهرت فكرة المناطق التجريبية هذه خلال المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية السابقة، وذلك قبل توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني الأسبوع الماضي، مما يشير إلى أنها ليست وليدة هذه الجولة من المفاوضات. وأكد نعيم قاسم، القيادي البارز في حزب الله، يوم الجمعة، على ضرورة انسحاب إسرائيل الكامل من كل جنوب لبنان، مشدداً على أن أي حلول لا تتضمن هذا الانسحاب الشامل لن تكون مقبولة. هذا الموقف يعكس تمسك حزب الله بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، ويعتبره شرطاً لا غنى عنه لتحقيق الأمن والاستقرار الدائمين في المنطقة.
مبادرة فرنسية إيطالية لاستبدال قوات حفظ السلام
أعلنت فرنسا وإيطاليا عن مبادرة مشتركة طموحة تهدف إلى استبدال بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في لبنان (اليونيفيل). يأتي هذا الإعلان في وقت حرج، حيث من المقرر سحب بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام من لبنان في نهاية العام الجاري، مما يترك فراغاً أمنياً محتملاً على الحدود اللبنانية الإسرائيلية قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع. وقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني عن هذه المبادرة المشتركة لاستبدال قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان، مؤكدين على أهمية استمرار الوجود الدولي لضمان الاستقرار ومنع أي تصعيد محتمل. وتعد هذه المبادرة خطوة استباقية لمعالجة الفراغ الأمني المتوقع.
وقد يتبع هذا الإعلان تنظيم مؤتمر دولي قريباً لإطلاق رسمي للمهمة المشتركة المقترحة، بهدف حشد الدعم الدولي وتحديد آليات عمل القوة الجديدة، بما في ذلك تفاصيل تمويلها وتشكيلها ومهامها المحددة. من جانبه، رحب الرئيس اللبناني جوزيف عون ترحيباً حاراً بالمبادرة الفرنسية الإيطالية، معتبراً إياها خطوة إيجابية نحو تعزيز الأمن والاستقرار في جنوب لبنان، وتوفير مظلة دولية تحفظ السلام. وتأتي هذه التطورات في أعقاب إنشاء آلية جديدة لوقف إطلاق النار تشمل إيران، وذلك بعد التوصل إلى الاتفاق الأمريكي الإيراني الأسبوع الماضي، مما يشير إلى تحولات أوسع في الديناميكيات الإقليمية قد تؤثر على المشهد الأمني في لبنان.
تصعيد ميداني وتوترات متزايدة
في سياق متصل ومثير للقلق، أدت غارة إسرائيلية استهدفت بلدة ميفادون، الواقعة في قضاء النبطية بجنوب لبنان، يوم الخميس، إلى مقتل شخصين وإصابة ثالث بجروح. تأتي هذه الغارة في ظل تصاعد غير مسبوق للتوترات على طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وتزامناً مع استمرار المحادثات الدبلوماسية في واشنطن الرامية إلى تهدئة الأوضاع بين الجانبين، مما يعكس تحدياً كبيراً للجهود الدبلوماسية. ولم يصدر تعليق فوري من الجانب الإسرائيلي حول تفاصيل الغارة أو الجهة المستهدفة، مما يزيد من الضبابية حول الأوضاع الميدانية ويصعب تقييم الأهداف الحقيقية. وتُضاف هذه الواقعة إلى سلسلة الأحداث الدامية التي تشهدها المنطقة الحدودية، مما يعقد الجهود الدبلوماسية الجارية ويهدد بتقويضها بشكل كامل.
كما تعرضت بلدة النبطية الفوقا لغارة إسرائيلية أخرى يوم الجمعة، مما يشير إلى استمرار التصعيد العسكري رغم المساعي الدبلوماسية. هذه الضربة تضاف إلى الهجمات المتكررة التي تشهدها المناطق الجنوبية في لبنان، مما يزيد من المخاوف بشأن اتساع نطاق النزاع واحتمال خروجه عن السيطرة، وتحوله إلى مواجهة أوسع. وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت حرج، حيث تتواصل المساعي الدولية الحثيثة لإيجاد حلول دبلوماسية للتوترات الإقليمية. ولم تُفد المصادر بوقوع إصابات أو أضرار مادية جسيمة جراء هذه الغارة بشكل فوري، إلا أن تكرار هذه الضربات يعمق الأزمة ويزيد من حالة عدم الاستقرار.
وفي واشنطن، أبدى الرئيس دونالد ترامب إحباطاً متزايداً من الإجراءات الإسرائيلية في لبنان خلال الأسابيع الأخيرة. ويعكس هذا الموقف قلق الإدارة الأمريكية العميق من التصعيد المستمر في المنطقة وتأثيره المحتمل على استقرار الشرق الأوسط برمته، مما قد يدفع الولايات المتحدة لممارسة المزيد من الضغط على الأطراف. ولم تُحدد طبيعة الإجراءات الإسرائيلية التي أثارت إحباط الرئيس ترامب بشكل علني، لكنها تُشير إلى وجود خلافات داخلية أو ضغوط دولية متزايدة على إسرائيل بخصوص تعاملها مع الوضع اللبناني، مما قد يؤثر على مسار المفاوضات الجارية ويغير من ديناميكياتها.
آفاق المفاوضات والتحديات المستقبلية
امتدت المحادثات بين إسرائيل ولبنان في واشنطن إلى ما بعد الموعد النهائي الأصلي المحدد لها، في إشارة واضحة إلى استمرار الجهود الدبلوماسية الحثيثة لاحتواء التوترات ومنع تفاقم الصراع. وكانت المحادثات مقررة أن تختتم يوم الخميس، لكنها مددت حتى صباح الجمعة في محاولة أخيرة لتقريب وجهات النظر والتوصل إلى تفاهمات. وتأتي هذه التطورات الدبلوماسية في ظل مساعٍ دولية مكثفة لتهدئة الأوضاع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، التي تشهد تصعيداً خطيراً يهدد الأمن الإقليمي. ولم يصدر تعليق فوري من الوفدين حول تفاصيل التمديد أو مدى التقدم المحرز خلال هذه الجولة الإضافية من المفاوضات، مما يترك الباب مفتوحاً أمام جميع الاحتمالات بشأن مصير هذه المباحثات.
تظل التحديات كبيرة ومعقدة، خاصة مع تباين المواقف بين الجانبين، ورفض حزب الله لأي حلول جزئية لا تتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الأراضي اللبنانية. كما أن التصعيد الميداني المستمر، ممثلاً بالغارات الجوية المتكررة، يلقي بظلاله على أي جهود دبلوماسية ويهدد بتقويض الثقة بين الأطراف، مما يجعل التوصل إلى اتفاق أكثر صعوبة. وبينما تضغط الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا من أجل التوصل إلى اتفاق واستقرار المنطقة، فإن تحقيق اختراق حقيقي يتطلب تنازلات كبيرة من جميع الأطراف المعنية، وقدرة على تجاوز الخلافات التاريخية والجغرافية. إن مصير الاتفاق الأولي الذي تحدث عنه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لا يزال معلقاً، ويعتمد بشكل كبير على قدرة الأطراف على تجاوز خلافاتهم العميقة والتوصل إلى تفاهمات مستدامة تضمن الأمن والاستقرار في المنطقة على المدى الطويل.