يسعى لبنان للحفاظ على وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة بعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) نهاية العام الجاري، وذلك في ظل تصاعد التوترات الإقليمية المستمرة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تبحث فيه بيروت عن بدائل لدور اليونيفيل التي تنتهي مهمتها رسمياً في 31 ديسمبر. هذا البحث عن بديل يؤكد القلق اللبناني من فراغ أمني محتمل في المنطقة الحدودية الحساسة، خاصة وأن ولاية القوة الدولية الحالية ستنتهي في نهاية هذا العام، مما يتطلب إيجاد حلول مستدامة لضمان الأمن والاستقرار في جنوب البلاد.
صرح مسؤول لبناني طلب عدم الكشف عن هويته لوكالة الأنباء الفرنسية (AFP) أن تفضيل لبنان هو "وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة" بعد انقضاء الولاية الحالية لليونيفيل، وتحديداً بعد انتهاء تفويضها في 31 ديسمبر. ويشير هذا التصريح إلى رغبة بيروت الصريحة في استمرارية الدعم الدولي في جنوب لبنان، مع إمكانية إعادة تشكيل طبيعة هذا الوجود بما يتناسب مع التحديات الراهنة. وتؤكد الحكومة اللبنانية على أهمية الدور الذي تلعبه القوات الدولية في حفظ الاستقرار ومنع التصعيد على الحدود الجنوبية، مشددة على ضرورة استمرار آلية مراقبة دولية تضمن التزام الأطراف بالهدنة وتجنب أي تصعيد عسكري.
خلفية دور اليونيفيل وقرار 1701
تضم قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) حالياً حوالي 7500 جندي حفظ سلام من ما يقرب من 50 دولة حول العالم. ينتشر جنود حفظ السلام التابعون لليونيفيل في جنوب لبنان بالقرب من الخط الأزرق، وهو الخط الفاصل الفعلي بطول 120 كيلومتراً (75 ميلاً) بين لبنان وإسرائيل. وقد أنشئت اليونيفيل في عام 1978، ومنذ ذلك الحين، عملت كقوة فاصلة وحاجز أمني بين لبنان وإسرائيل، مساهمة في الحفاظ على استقرار هش على الحدود. وقد أثبتت اليونيفيل فعاليتها على مر العقود في تخفيف حدة التوترات ومنع الاشتباكات واسعة النطاق، مما يجعل وجودها عنصراً أساسياً في المعادلة الأمنية الإقليمية.
وقد عزز قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 دور اليونيفيل بشكل كبير بعد أن أنهى الحرب التي دارت عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله. هذا القرار لا يزال يشكل الإطار القانوني والسياسي لعمليات اليونيفيل في المنطقة، وقد شكّل أيضاً أساس الهدنة التي أوقفت جولة سابقة من القتال بين إسرائيل وحزب الله في عام 2024. توجد هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UNTSO)، وهي عملية إقليمية لحفظ السلام تأسست عام 1948، ولها أيضاً فريق صغير وغير مسلح في لبنان. تعمل هذه الهيئة جنباً إلى جنب مع اليونيفيل في مراقبة الوضع على الأرض وتقديم تقارير دورية للأمم المتحدة، مما يعزز من قدرة المجتمع الدولي على تقييم الأوضاع الأمنية في المنطقة.
ضغوط دولية ومساعي بديلة
دفع كل من إسرائيل والولايات المتحدة العام الماضي باتجاه إنهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) في مجلس الأمن. وقد أثارت هذه الضغوط قلقاً كبيراً في بيروت والمجتمع الدولي بشأن تداعيات أي انسحاب محتمل لليونيفيل. وفي سياق الجهود الدبلوماسية المستمرة لتقييم الوضع المستقبلي، من المقرر أن يقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً إلى مجلس الأمن بحلول الأول من يونيو/حزيران. يأتي هذا التقرير وسط تساؤلات ملحة حول مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية اليونيفيل الحالية، ومن المتوقع أن يتضمن توصيات بشأن الخطوات المقبلة، بما في ذلك إمكانية تمديد الولاية الحالية أو اقتراح بدائل جديدة.
وقد أعربت إيطاليا وفرنسا وإسبانيا عن استعدادها للإبقاء على قواتها في لبنان، مما يشير إلى دعم محتمل لاستمرارية الوجود الدولي، وإن كان بصيغة معدلة أو ضمن إطار جديد. هذا الاستعداد من قبل الدول الأوروبية الكبرى يوفر بعض الأمل للبنان في تأمين دعم دولي مستمر، ويؤكد على أهمية الدور الذي تلعبه هذه الدول في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي. بدوره، طلب الرئيس اللبناني جوزيف عون في فبراير/شباط من ألمانيا أن تلعب "دوراً رئيسياً" بعد رحيل اليونيفيل، ما يسلط الضوء على المساعي اللبنانية الحثيثة لتأمين دعم دولي متنوع ومستمر للمنطقة الحدودية. تعكس هذه التطورات جهود بيروت الحثيثة لاستكشاف خيارات بديلة لضمان الاستقرار في جنوب البلاد، في محاولة لتجنب أي فراغ أمني قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع، وتؤكد على التزام لبنان بالحفاظ على وجود دولي فعال.
تداعيات غياب القوة الدولية
لطالما عملت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) كمنطقة عازلة حيوية بين لبنان وإسرائيل منذ عام 1978، ما أسهم في الحفاظ على استقرار هش على الحدود الجنوبية للبنان. إن غياب هذه القوة يمكن أن يخلق فراغاً أمنياً خطيراً، مما يزيد من مخاطر التصعيد بين الأطراف المتصارعة في المنطقة. وتتزايد المخاوف من أن يؤدي سحب اليونيفيل إلى تفاقم التوترات القائمة، لا سيما مع استمرار الاشتباكات المتقطعة على طول الخط الأزرق، والتي غالباً ما تتطلب تدخل اليونيفيل لتهدئة الأوضاع. يشير عدد من المسؤولين والدبلوماسيين إلى أن الدور الوقائي لليونيفيل كان حاسماً في منع المواجهات من التحول إلى صراعات أوسع نطاقاً، وأن وجودها يمثل رادعاً مهماً يساهم في الحفاظ على خطوط الاتصال بين الأطراف المتحاربة.
ويُعد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 عنصراً محورياً في هذا السياق، حيث شكّل أساس الهدنة عام 2024 التي أوقفت جولة سابقة من القتال بين إسرائيل وحزب الله. هذا القرار، الذي عزز ولاية اليونيفيل بعد حرب عام 2006، يحدد أيضاً الإطار القانوني للوجود الدولي في جنوب لبنان ويضع آليات لفض النزاعات. إن أي تغيير في وضع اليونيفيل أو غياب قوة دولية بديلة قد يترك المنطقة دون الآلية المعترف بها دولياً لفض النزاعات ومراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار، مما يثير تساؤلات جدية حول كيفية الحفاظ على أي هدنة مستقبلية أو منع تجدد الاشتباكات العنيفة. ويخشى الكثيرون من أن يؤدي غياب اليونيفيل إلى تقويض الثقة بين الأطراف وزيادة احتمالات سوء التقدير، مما قد يدفع المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار والصراع.