قاد رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، وفداً وزارياً رفيع المستوى إلى سوريا يوم السبت الموافق 9 مايو 2026، في زيارة تعد خطوة محورية ضمن جهود مكثفة لإعادة ضبط العلاقات اللبنانية-السورية. التقى الوفد اللبناني، الذي ضم نائب رئيس الوزراء، ووزراء الأشغال العامة والنقل، والطاقة والمياه، والاقتصاد والتجارة، بالرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق. تأتي هذه الزيارة الهامة عقب الإطاحة بالرئيس بشار الأسد في ديسمبر 2024، وتؤشر إلى مرحلة جديدة من التنسيق والتعاون بين البلدين الجارين. وقد مثل الوفد اللبناني تشكيلة وزارية واسعة تعكس الأهمية التي يوليها لبنان لهذه المباحثات، حيث شملت حقائب وزارية حيوية تتعلق بالبنية التحتية، والطاقة، والتجارة، مما يؤكد على شمولية الأجندة المطروحة بين الجانبين.
وصف رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام اللقاءات بأنها حققت "تقدماً كبيراً في معالجة قضايانا المشتركة، خاصة تلك التي ظلت عالقة لفترة طويلة"، مشيداً بـ "الروح الإيجابية والبناءة" التي سادت المحادثات بين الجانبين. وأكد رئيس الوزراء اللبناني أن بيروت تسعى لتعزيز العلاقات الثنائية "دون تحفظ أو تردد"، معرباً عن أمله في تحقيق "نتائج ملموسة وواضحة" تخدم مصالح الشعبين. وشدد سلام على أهمية العمل المشترك والجاد بين الحكومتين لضمان عودة "آمنة وكريمة" للمواطنين المتأثرين بالقضايا المشتركة بين البلدين، مؤكداً على ضرورة معالجة جميع الملفات العالقة بروح من التعاون والتفاهم.
تعزيز الأمن والحدود المشتركة ومكافحة التحديات
ركزت المحادثات بين الوفدين اللبناني والسوري بشكل مكثف على مجموعة من القضايا الحيوية، شملت أمن الحدود، ومكافحة التهريب بكافة أشكاله، ومصير المعتقلين والمفقودين، وملف اللاجئين السوريين، بالإضافة إلى آفاق التعاون الاقتصادي وروابط النقل التي تربط البلدين. وقد شملت المباحثات سبل تعزيز الاستقرار على طول الحدود المشتركة بين البلدين، التي تشهد تحديات أمنية واقتصادية متعددة ومعقدة. وقد أكد الجانبان على أهمية معالجة هذه الملفات بما يخدم المصالح العليا للبلدين والشعبين الشقيقين، مشددين على ضرورة التنسيق المستمر وتبادل المعلومات لتحقيق الأهداف المتفق عليها.
في هذا السياق، اتفقت بيروت ودمشق على تشديد الرقابة وتكثيف الدوريات على طول حدودهما المسامية، مؤكدين على مكافحة التهريب بكافة أشكاله وصوره. ويهدف هذا الاتفاق إلى الحد من الأنشطة غير المشروعة التي تؤثر سلباً على الأمن والاقتصاد في كلا البلدين وتغذي الجريمة المنظمة. وتضمنت الخطوات المقترحة تعزيز الدوريات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل فعال لملاحقة شبكات التهريب الدولية والمحلية التي تستغل المناطق الحدودية. ومن المتوقع أن تسهم هذه الإجراءات الصارمة في استعادة الأمن والاستقرار في المناطق الحدودية، مما ينعكس إيجاباً على العلاقات الثنائية ويعزز الثقة المتبادلة.
كما اتفق الجانبان على تسهيل حركة المسافرين والبضائع عبر المعابر الرسمية بين لبنان وسوريا، وذلك بهدف تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التبادل الاقتصادي. ويأتي هذا الإجراء في إطار جهود تعزيز التبادل التجاري وتنشيط الحركة الاقتصادية بين البلدين، بما يخدم مصالح التجار والمواطنين ويسهم في إنعاش الأسواق. ويهدف هذا التسهيل إلى تبسيط الإجراءات الجمركية والإدارية، وتقليل أوقات الانتظار عند المعابر، مع الحفاظ على المعايير الأمنية اللازمة لضمان سلامة الأفراد والبضائع. ومن شأن هذه الخطوة أن تدعم التعاون الاقتصادي المشترك وتسهم في تحسين الأوضاع المعيشية للمتضررين من الأزمات المتتالية التي أثرت على المنطقة.
ملف اللاجئين والعمالة السورية ومصير المفقودين
في سياق متصل بتعزيز التعاون القضائي والإنساني، تم التوقيع على اتفاقية هامة في فبراير الماضي تسمح بنقل السجناء السوريين الموجودين في السجون اللبنانية إلى سوريا. تهدف هذه الاتفاقية إلى معالجة أحد الملفات الشائكة بين البلدين وتسهيل الإجراءات القانونية والإنسانية المتعلقة بهؤلاء السجناء، بما يضمن حقوقهم ويسرع في تسوية أوضاعهم. وتأتي هذه الخطوة ضمن مساعي بيروت ودمشق لتعزيز التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وبناء الثقة بين الجانبين بعد سنوات من التوتر والجمود في العلاقات.
كما تم التأكيد على أهمية الحوار المستمر والبناء بشأن العودة "الآمنة والكريمة" للاجئين السوريين من لبنان إلى وطنهم، وتنظيم أوضاع العمالة السورية في لبنان بما يتوافق مع القوانين والأنظمة المعمول بها. وصف نواف سلام العودة بأنها يجب أن تكون "آمنة وكريمة"، مشدداً على ضرورة إيجاد حلول مستدامة ومقبولة لهذه القضية الإنسانية والاجتماعية المعقدة. ويشكل ملف اللاجئين تحدياً كبيراً لكلا البلدين، حيث تسعى بيروت إلى تخفيف العبء الاقتصادي والاجتماعي الهائل الناتج عن وجودهم على مواردها وبنيتها التحتية المنهكة.
يُذكر أن أكثر من مليون لاجئ سوري يقيمون حالياً في لبنان، مما يضع ضغوطاً هائلة على موارده وبنيته التحتية المحدودة، ويزيد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية. وتعد هذه الأرقام الضخمة محط تركيز في المحادثات الثنائية بهدف وضع آليات فعالة ومجدية لعودة هؤلاء اللاجئين إلى بلادهم بشكل طوعي ومنظم. وتتطلب هذه العودة تنسيقاً مستمراً ووثيقاً بين الحكومتين لضمان بيئة آمنة ومستقرة للعائدين، وتوفير الظروف الأساسية لاندماجهم في مجتمعاتهم.
وقد عاد العديد من اللاجئين السوريين إلى بلادهم منذ استئناف القتال بين حزب الله وإسرائيل قبل شهرين، مما أضاف بعداً جديداً وملحاً لملف اللاجئين. هذا التطور الأمني أدى إلى تفاقم الأوضاع في لبنان، حيث تدفع التوترات الأمنية المتصاعدة في البلاد بعض السوريين إلى البحث عن ملاذات أكثر استقراراً وأماناً. ويستدعي ذلك تسريع وتيرة المحادثات والاتفاقيات بين بيروت ودمشق لإدارة هذه التدفقات وضمان سلامة العائدين وحمايتهم.
ولمعالجة القضايا المشتركة، شملت المباحثات الأخيرة أيضاً تحديد مصير المفقودين والمخفيين قسراً في كلا البلدين، في ملف طالما أثار قلق وحزن العائلات المعنية على مدى عقود. يُعتقد أن الآلاف من اللبنانيين فُقدوا في سوريا خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي امتدت من عام 1975 إلى عام 1990 وفترة الاحتلال السوري التي تلتها حتى عام 2005. هذا الملف يمثل نقطة حساسة ومؤلمة في العلاقات بين البلدين، ويسعى الجانبان إلى إيجاد حلول له بما يضمن الشفافية والعدالة ويوفر إجابات للعائلات المنتظرة. وتأتي هذه التطورات في وقت تستمر فيه تداعيات الحرب الأهلية السورية التي بدأت في عام 2011، والتي أدت إلى نزوح ملايين الأشخاص وتفاقم الأزمات الإنسانية الإقليمية.
آفاق التعاون الاقتصادي والطاقة ودفع عجلة التنمية
تضمنت المباحثات بين الوفدين اللبناني والسوري قضايا حيوية تتعلق بالنقل البري والمعابر الحدودية، بالإضافة إلى البنية التحتية وإعادة تأهيل الجسور الحدودية المتضررة. كما تطرقت النقاشات إلى العقبات المتعلقة بالجمارك التي تؤثر سلباً على حركة التجارة بين البلدين وتعيق نموها. وشملت هذه المناقشات أيضاً رسوم العبور والتعريفات الجمركية المفروضة على الصادرات، بهدف تسهيل التدفق التجاري وتخفيف الأعباء عن التجار. وفي هذا الإطار، اتفقت بيروت ودمشق على تعزيز التعاون في ما يخص المعايير الفنية والفحوصات المخبرية للمنتجات لضمان جودتها وسلامتها، مما يسهم في حماية المستهلكين ويسهل دخول المنتجات إلى الأسواق.
تم تسريع الخطط الرامية إلى تأسيس مجلس أعمال لبناني-سوري مشترك، ومن المتوقع أن ينعقد هذا المجلس في دمشق خلال الأسابيع القادمة، بهدف تعزيز التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة. وفي مجال الطاقة، شمل التعاون تحسين الربط الكهربائي لتسهيل استيراد لبنان للكهرباء الضرورية عبر الأراضي السورية، بما يسهم في تخفيف أزمة الكهرباء المزمنة. كما نوقش اتفاق محتمل لترانزيت الغاز الطبيعي بين البلدين، مما قد يفتح آفاقاً جديدة لتأمين مصادر الطاقة. يأتي هذا التعاون في ظل أزمة الكهرباء التي يعاني منها لبنان منذ عقود، مما يجعله في حاجة ماسة لتحسين إمدادات الطاقة وتنويع مصادرها. من جانبها، تضرر قطاع الطاقة في سوريا بشدة نتيجة الصراع المستمر، مما يعكس الحاجة الملحة لكلا البلدين إلى تعزيز التعاون في هذا القطاع الحيوي والاستراتيجي.
المساعي المستقبلية وتكثيف التنسيق
لضمان معالجة فعالة ومستمرة للقضايا المشتركة، سيتم تكثيف عمل اللجان الفنية المشتركة والتنسيق على المستوى الوزاري بين لبنان وسوريا. ويهدف هذا التنسيق إلى متابعة تنفيذ الاتفاقيات والقرارات المتخذة، وتذليل أي عقبات قد تواجه عملية التعاون بين البلدين. هذا النهج سيسمح بمعالجة القضايا المعقدة بشكل منهجي ومستمر، ويضمن تحقيق الأهداف المرجوة من هذه الزيارة التاريخية.
تعكس هذه الزيارة والنتائج التي تمخضت عنها رغبة حقيقية من الجانبين في تجاوز تحديات الماضي وبناء مستقبل من التعاون والشراكة. إن التركيز على القضايا الأمنية والاقتصادية والإنسانية يؤكد على فهم عميق لأهمية الاستقرار الإقليمي والتنمية المشتركة. ومع استمرار التنسيق والعمل المشترك، يتطلع البلدان إلى تحقيق تقدم ملموس يصب في مصلحة شعبيهما، ويعزز الأمن والاستقرار في المنطقة ككل.