قرية جنوب لبنان تُواجه الحرب بالحزن والصمود والتاريخ

In the cemetery in south Lebanon's Deir Qanun al-Nahr, gravediggers prepare tombs for the village's "martyrs" in the latest Israel-Hezbollah war, near those killed in the previous conflicts between the foes
الصورة: MAHMOUD ZAYYAT عبر News

تُعدّ حفارات القبور في قرية دير قانون النهر بجنوب لبنان قبوراً لضحايا الضربات الإسرائيلية الحديثة، مجاورين لتلك التي قُتل أصحابها في صراعات سابقة، مما يعكس الأثر المستمر للحرب بين إسرائيل وحزب الله على السكان المحليين. تشهد القرية، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 11 ألف نسمة، تزايداً في أعداد القتلى والجرحى والخسائر المادية، مما يترك بصمات عميقة على مجتمعها الذي اعتاد على مواجهة تحديات الصراع.

قُتل ثلاثة من المستجيبين الأوائل المحليين من جمعية كشافة الرسالة، من بينهم ابن شقيق علي حريري، في ضربة إسرائيلية وقعت في 22 مايو/أيار. وقد أكد علي حريري، الذي كان جزءاً من الفريق المسعف، على فداحة الخسارة قائلاً: "كنا فريقاً من ثمانية مسعفين، وفقدنا ثلاثة. لقد قُتلوا أثناء قيامهم بواجبهم الإنساني". هذه الحادثة، التي استهدفت منقذين مدنيين، سلطت الضوء على المخاطر الجسيمة التي يواجهها العاملون في الخطوط الأمامية في خضم الاشتباكات المستمرة.

وفقاً للمسؤول البلدي حسن الحسيني، فقد أسفرت عشرات الهجمات الإسرائيلية منذ مارس/آذار عن مقتل ما لا يقل عن 55 شخصاً من سكان القرية. وأضاف الحسيني مُسلّطاً الضوء على انتشار الخسائر البشرية وتأثيرها على النسيج الاجتماعي للقرية: "في كل عائلة، إن لم يكن أخاً، فهو ابن عم" من بين الذين قُتلوا، مما يشير إلى أن لا يكاد يوجد منزل لم يتأثر بشكل مباشر بهذه الأحداث المأساوية. وقد أثرت هذه الخسائر على الأسر الممتدة والعلاقات الاجتماعية بشكل كبير، تاركة جراحاً عميقة في المجتمع المحلي.

حصاد الحرب: خسائر بشرية ومادية فادحة

ذرفت شروق حريري، البالغة من العمر 32 عاماً، الدموع على شقيقها التوأم أحمد، المسعف المتطوع، وعلى أحد زملائه، بالإضافة إلى عمها، وهو مدني محلي، الذين لقوا حتفهم في هذه الأحداث. وقالت شروق حريري وهي تعبر عن عمق حزنها وصدمتها: "وصلنا إلى القرية أمس وتوجهنا مباشرة إلى المكان الذي قُتل فيه أحمد، قبل أن نأتي إلى هنا إلى المقبرة. جئنا إلى هنا لنفهم ما حدث... ما زلنا لا نصدق أنه رحل". من جهته، صرح حسين غساني، المسعف في الهيئة الصحية الإسلامية، بأنهم ينتظرون دفن 17 أو 18 "شهيداً"، مشيراً إلى أن هناك شباناً لم يُعثر عليهم بعد، مما يضيف إلى حالة القلق والانتظار التي تخيم على القرية. وأضاف غساني واصفاً القرية ومكانتها في هذا الصراع: "دير قانون هي قرية الشهداء والعلماء".

أودت ضربة إسرائيلية الشهر الماضي بحياة 14 شخصاً، جميعهم تقريباً من العائلة نفسها، بما في ذلك ثلاث نساء وأربعة أطفال، في منزل يقع بشارع صغير، مما يبرز الدمار العشوائي الذي يمكن أن تسببه هذه الضربات. وقد ترك أحمد حريري، الذي كان يعمل مصوراً أيضاً، وراءه زوجة وابنة تبلغ من العمر ثلاث سنوات، لتواجهان مستقبلاً غامضاً بدون عائلها. وفي سياق متصل، قُتل هاشم صفي الدين، الذي كان قد اختير لخلافة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، على يد إسرائيل بعد أيام من اغتيال نصر الله عام 2024، مما يشير إلى استهداف قيادات بارزة في الصراع الدائر.

وفي هذا الشأن، صرحت دلال صفي الدين بأنها فقدت خمسة أفراد من عائلتها، جميعهم أبناء عمومة وأعضاء في حزب الله، مما يعكس حجم التضحيات التي تقدمها العائلات في القرية. وأضافت دلال صفي الدين بتحدٍ وصمود: "لقد فقدت خمسة من أفراد عائلتي. من الطبيعي تقديم التضحيات. ولكن في النهاية، سوف ننتصر". وتقول لبنان إن الصراع أسفر عن مقتل أكثر من 3800 شخص على مستوى البلاد، وهي أرقام تؤكد حجم الخسائر البشرية التي تتكبدها البلاد جراء الاشتباكات المستمرة وتأثيرها المدمر على المجتمعات المحلية. هذه الخسائر تشمل المدنيين والمقاتلين على حد سواء، وتزيد من معاناة السكان في المناطق الحدودية.

جذور المقاومة: تاريخ طويل من الصراع

تُدفن الجثامين حالياً قرب قبور مقاتلي حزب الله الذين لقوا حتفهم في الصراع الحالي، وفي الجولات السابقة من الأعمال العدائية، وكذلك في حرب إسرائيل وحزب الله عام 2006. ويُذكر أن المقاومة في المنطقة لها تاريخ طويل ومتجذر، حيث قام مقاتلون بقيادة أحمد قصير بتفجير مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية في صور في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1982، مما أسفر عن مقتل العشرات من الجنود الإسرائيليين. هذا الحدث التاريخي يُنظر إليه على أنه واحد من أبرز عمليات المقاومة في المنطقة، ويُعد جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للمجتمع.

وقد تأسس حزب الله كرد فعل مباشر على الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، مما يوضح العلاقة العضوية بين نشأة الحزب وتاريخ الصراع في المنطقة. وتُبرز هذه الأحداث المتتالية عمق الارتباط بين الصراع المستمر وتاريخ المنطقة، حيث تتشابك الأحداث الحالية مع ذاكرة جماعية طويلة الأمد من المقاومة والتضحية. هذا التاريخ يغذي روح الصمود لدى السكان، حتى في مواجهة الخسائر الفادحة، ويُشكل جزءاً من هويتهم الجماعية.

الاستعداد للمستقبل: إعادة بناء وأمل

أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء لقرية دير قانون النهر، ولم يتبق سوى حوالي 400 من السكان في الأيام التي سبقت الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، مما يشير إلى موجة نزوح واسعة النطاق. تعكس هذه الأوامر حالة عدم اليقين والنزوح التي يواجهها سكان المنطقة في ظل التصعيد المستمر، حيث يضطر الكثيرون لترك منازلهم ومصادر رزقهم بحثاً عن الأمان. وقد أثرت الأضرار المادية بشكل كبير على البنية التحتية والمساكن في القرية، مما يزيد من صعوبة العودة وإعادة الإعمار في المستقبل القريب.

في هذا السياق، تضرر ما لا يقل عن 50 منزلاً في دير قانون النهر، حيث دُمرت بالكامل، بينما أصبح 150 منزلاً آخر غير صالح للسكن، مما يمثل نسبة كبيرة من مساكن القرية. تُظهر هذه الأرقام حجم الدمار الذي لحق بالممتلكات، مما يزيد من التحديات التي تواجه النازحين والذين يحاولون الصمود في قريتهم. يُشير هذا الدمار إلى الحاجة الملحة لجهود إعادة الإعمار لدعم السكان المتضررين وتمكينهم من استعادة حياتهم الطبيعية، وهو ما يتطلب موارد ضخمة ودعماً دولياً.

وفي تطور ذي صلة، قام حزب الله بإدخال لبنان في صراع الشرق الأوسط الأوسع في 2 مارس/آذار من خلال إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، مما أدى إلى تصعيد التوترات الإقليمية. يؤكد هذا الحدث على تورط المنطقة في دوامة من التوترات الإقليمية، مما يترك آثاراً عميقة على المجتمعات المحلية مثل دير قانون النهر التي تجد نفسها في قلب هذه الأحداث. وعلى الرغم من التحديات الجمة، فإن روح الصمود والتضامن المجتمعي تبقى سمة مميزة لأهالي دير قانون النهر، وهم يواصلون مواجهة هذه الظروف الصعبة، مستلهمين من تاريخهم الطويل في المقاومة والأمل في مستقبل أفضل يعيد لقريتهم السلام والاستقرار.