تنتشر حالة من الحذر في لبنان مع عودة النازحين إلى ديارهم التي دمرتها الحرب، في أعقاب اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران أدى إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. لقد اختُزلت مساحات واسعة من لبنان إلى ركام خلال الحرب الإسرائيلية مع حزب الله، مما يترك العائدين في مواجهة واقع الدمار وعدم اليقين بشأن المستقبل. هذه العودة، التي تزامنت مع مشاهد مؤلمة لدمار واسع النطاق، تجعل المجتمعات المتضررة تتساءل عن طبيعة المستقبل الذي ينتظرهم، وعن مدى استدامة الهدوء الهش الذي أتاح لهم العودة.
جاء وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، الذي طال انتظاره، نتيجة للاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة وإيران. وقد جلب هذا الاتفاق شعوراً حذراً بالارتياح في لبنان، حيث تأمل المجتمعات المتضررة في إمكانية البدء بإعادة الإعمار بعد سنوات من الصراع. المناطق اللبنانية المتضررة، التي شهدت دماراً واسع النطاق خلال الحرب الإسرائيلية مع حزب الله، تواجه تحديات هائلة في عملية العودة وإعادة التأهيل. هذا الشعور بالارتياح مشوب بالحذر، إذ أن تاريخ المنطقة مليء بالصراعات التي تتجدد على الرغم من اتفاقيات الهدنة، مما يدفع السكان إلى الترقب والتحسب لأي تطورات قد تعيدهم إلى مربع الخطر.
وصف الدمار والخسائر البشرية
خلال صراع عام 2024، واصلت إسرائيل تنفيذ ما وصفته بـ "ضربات موجهة" في جنوب لبنان، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 400 شخص. وتسببت هذه الضربات في خسائر بشرية كبيرة في المنطقة، حيث استهدفت مناطق مختلفة من الجنوب اللبناني، تاركة وراءها ندوباً عميقة في النسيج الاجتماعي والعمراني للمناطق المتضررة.
ومن بين ضحايا الصراع في عام 2024، كان هناك حوالي 50 امرأة وطفلاً، مما يسلط الضوء على التأثير الواسع للعمليات العسكرية على السكان المدنيين. وتشير هذه الأرقام إلى تداعيات الصراع التي تتجاوز المقاتلين وتطال الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الاستهداف والالتزام بالقوانين الدولية التي تحمي المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. هذه الخسائر البشرية، وخصوصاً بين النساء والأطفال، تترك أثراً نفسياً واجتماعياً عميقاً على المجتمعات المحلية، وتزيد من تعقيد عملية إعادة التأهيل والتعافي.
ومنذ بداية الصراع، قُتل حوالي 3800 شخص في لبنان، وفقًا للإحصائيات المتوفرة. تعكس هذه الحصيلة المرتفعة حجم العنف والدمار الذي شهدته البلاد، وتؤكد على الأثر المدمر للصراع على الحياة البشرية في لبنان، وتكشف عن حجم المعاناة التي عاشتها الأسر والمجتمعات على مدار فترة النزاع.
وفي مدينة النبطية، بدا السوق المركزي التاريخي وكأنه سُوّي بالأرض جراء الغارات الجوية الإسرائيلية. وقد تحولت معالم المدينة إلى ركام، مما يعيق بشكل كبير جهود العودة وإعادة إعمار البنية التحتية والمرافق الحيوية في المنطقة المتضررة. هذا الدمار لا يقتصر على المباني السكنية فحسب، بل يمتد ليشمل البنى التحتية الحيوية مثل المستشفيات والمدارس والطرق، مما يجعل عودة الحياة الطبيعية أمراً بالغ الصعوبة ويتطلب جهوداً هائلة وموارد ضخمة لإعادة البناء.
الاشتباكات المستمرة والاتهامات المتبادلة
تفيد مزاعم بأن القوات الإسرائيلية قتلت عدة أشخاص في عدد من الضربات، وسط ادعاءات بأن حزب الله أطلق النار عليها. وقد صرحت إسرائيل بأنها كانت تمنع حزب الله من إعادة التسلح في المنطقة خلال عام 2024، مشيرة إلى أن عملياتها كانت تستهدف القدرات العسكرية للمجموعة. ولم يرد حزب الله بشن ضربات حتى بدأت إسرائيل، إلى جانب الولايات المتحدة، بمهاجمة إيران، الداعم الأساسي للمجموعة، في فبراير. هذا التصعيد المتبادل للاتهامات والعمليات العسكرية يعكس حالة من التوتر المستمر على الرغم من وقف إطلاق النار، ويشير إلى أن جذور الصراع لا تزال قائمة.
وفي سياق متصل، يُزعم أن فرق المسعفين استُهدفت مرارًا بضربات إسرائيلية تُعرف بـ "الضربات المزدوجة" وحتى "الثلاثية". وتصف منظمات حقوق الإنسان هذه الهجمات على المسعفين بأنها جرائم حرب واضحة، مؤكدة على أن استهداف الكوادر الطبية والمرافق الصحية يعد انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية الإنسانية. في المقابل، اتهمت إسرائيل سيارات الإسعاف بنقل الأسلحة والمقاتلين، مما يشير إلى تصاعد وتيرة الاتهامات المتبادلة بين الأطراف المتحاربة في المنطقة، ويضيف طبقة من التعقيد إلى الصراع، حيث تتداخل الروايات وتصعب عملية التحقق المستقل من الحقائق على الأرض. هذه الاتهامات المتبادلة تزيد من صعوبة عمل المنظمات الإنسانية وتعرقل جهود الإغاثة في المناطق المتضررة.
الاحتلال الإسرائيلي وتداعياته على الجنوب
تسيطر إسرائيل الآن على مساحة أكبر بكثير من الأراضي في جنوب لبنان مما كانت عليه في السابق، مما يمثل تحولاً في السيطرة الإقليمية بعد الصراع الأخير. هذا التوسع في السيطرة يثير تساؤلات حول طبيعة الوجود الإسرائيلي المستقبلي في المنطقة وتداعياته على الحدود اللبنانية، ويزيد من المخاوف بشأن السيادة اللبنانية ومستقبل القرى الحدودية.
ويواصل الجنود الإسرائيليون احتلال القرى الشيعية على طول الحدود، حيث يقومون بتدمير العديد منها بشكل كامل، ويُقال إنهم يتبعون تكتيكات مماثلة لتلك التي نفذت في غزة. وقد أدت هذه العمليات إلى تغيير جذري في المشهد السكاني والجغرافي لهذه القرى، مما يترك أثراً مدمراً على المجتمعات المحلية التي فقدت منازلها وسبل عيشها. تصف منظمات حقوق الإنسان هذه العمليات بأنها تهدف إلى تهجير السكان وتغيير ديموغرافية المنطقة، مما يزيد من تعقيد أي حلول مستقبلية للصراع. هذه التكتيكات تخلق واقعاً جديداً على الأرض، يصعب التراجع عنه بسهولة، ويضع تحديات كبيرة أمام أي جهود لإعادة الاستقرار والسلام في المنطقة.
آمال العودة ومستقبل غامض
تدفقت حركة المرور على الطريق السريع المؤدي جنوباً من بيروت، حيث كانت السيارات التي تقل عائلات نزحت بسبب الحرب تعود إلى ديارها، وشوهدت شاحنات صغيرة تحمل مراتب مكدسة على أسطحها. وقد شهد أواخر عام 2024 مشاهد لسكان عائدين، وذلك في أعقاب حرب مدمرة أخرى بين إسرائيل وحزب الله. هذه المشاهد، التي ترمز إلى الأمل في العودة إلى الحياة الطبيعية، تختلط بمشاعر من القلق والترقب، فالعائدون يجدون أنفسهم أمام واقع قاسٍ من الدمار الشامل، ومستقبل لا يزال يكتنفه الغموض. التحديات التي تواجههم تتجاوز مجرد إعادة بناء المنازل، لتشمل إعادة بناء المجتمعات، واستعادة البنية التحتية، وتوفير سبل العيش في مناطق دمرتها الحرب. ورغم أن وقف إطلاق النار قد جلب بعض الهدوء، فإن السؤال الأهم يظل معلقاً: هل سيصمد هذا الهدوء، أم أن المنطقة ستشهد جولة جديدة من الصراع في المستقبل القريب؟ هذه التساؤلات تظل عالقة في أذهان العائدين، الذين يحاولون استجماع قواهم لبدء حياة جديدة وسط ركام الماضي.