صمود الجنوب: قصص المقاومة المدنية في وجه الحرب

الصورة عبر News

عاد مئات الآلاف من المدنيين اللبنانيين إلى الجنوب اللبناني في منتصف أبريل بعد إعلان وقف لإطلاق النار، في خطوة تعكس تعلقهم العميق بأرضهم ورغبتهم في العودة إلى ديارهم. لكن هذه العودة لم تدم طويلاً، حيث استأنف الجيش الإسرائيلي هجماته على عشرات المدن في جميع أنحاء الجنوب اللبناني ومنطقة البقاع الغربي بعد فترة وجيزة من هذا الهدنة، مما فرض واقعاً جديداً من التحديات والمخاطر على السكان.

على الرغم من هذه الهجمات المتجددة والتهديدات المستمرة، اختار آلاف المدنيين اللبنانيين البقاء في الجنوب اللبناني، متجاهلين أوامر الإخلاء الصادرة. هذا القرار الجريء ليس مجرد رفض للنزوح، بل هو تعبير عن إرادة قوية وصمود لا يتزعزع. وينتشر شعور "العيش بكرامة أو أن نكون شهداء سعداء" بين هؤلاء السكان الصامدين في الجنوب اللبناني، مما يعكس تصميمهم على المقاومة المدنية والتضحية من أجل أرضهم. هذه الروح المعنوية العالية هي ما يدفعهم لمواجهة الظروف الصعبة والتحديات اليومية.

شبكات الدعم الذاتي للمدنيين: تكاتف مجتمعي في وجه الأزمات

في ظل استمرار التحديات التي تواجه المدنيين في الجنوب اللبناني، يقدم السكان في مناطق مثل النبطية وصور والقرى المحيطة المأوى والإمدادات والتضامن، مشكلين شبكة دعم اجتماعي قوية. وقد عمل شبان وفتيات لبنانيون على بناء "نظام دعم" للمدنيين الذين لا يتلقون ما يكفي من الخدمات الاجتماعية أو المساعدات من الحكومة اللبنانية، مما يسد فجوة كبيرة في الاحتياجات الأساسية. هذا النظام يعتمد على المبادرة الفردية والجماعية، حيث يتكاتف أفراد المجتمع لتقديم ما يستطيعون.

يقدم المدنيون خدمات بناءً على خبراتهم المتنوعة، مثل السباكة والمساعدة الطبية وتوزيع السلع الأساسية، مما يعكس روح التكافل والتضامن. هذه المبادرات الفردية والجماعية تتحول إلى شريان حياة حقيقي للمجتمعات المحاصرة. يستخدم محمد معتوق، على سبيل المثال، سيارته الفان لتوزيع الطعام والدواء على الجيران والأصدقاء في صور، مؤكداً على أن هذه المساعدات ليست مجرد دعم مادي، بل هي رسالة تضامن قوية. وقال محمد معتوق، معبراً عن عمق التزامه: "نحن هنا لخدمة الصامدين. إذا متنا، فإننا نموت بكرامة – نستشهد على أرضنا. طالما نتنفس هواء جنوب لبنان، نحن سعداء وراضون. ويجب أن يعرف العدو الإسرائيلي أنه إذا أراد احتلال أرضنا، فلن يحدث ذلك إلا إذا استشهدنا جميعًا".

واعتبر محمد معتوق أن "إسرائيل تذبح المدنيين، معظمهم من كبار السن والنساء والأطفال، في جميع أنحاء لبنان، وخاصة الجنوب، منتهكة بذلك جميع معايير حقوق الإنسان وبروتوكولات الحرب منذ تأسيسها غير الشرعي". وأضاف، مؤكداً على صلابة إيمانهم: "لكننا لسنا خائفين. نعتقد أن لدينا قيادة حكيمة، ومقاومة قوية وصبورة، وشعبًا صامدًا. سنظل أحياء للأبد – سواء كنا نعيش حياتنا اليومية ونقاوم الاحتلال، أو ننتصر كشهداء". في كفردونين، تخبز تغريد الخبز الطازج على الصاج لعائلتها وأصدقائها وآخرين، محولة عملها اليومي إلى فعل مقاومة. وصرحت تغريد، معبرة عن تصميمها: "لقد اتخذنا قرارًا بالصمود وإظهار للعدو أن لدينا إيمانًا قويًا: هذه الأرض هي أرضنا، ولن يوقفنا شيء عن العيش هنا – ولا حتى المجانين الإسرائيليين".

وتابعت تغريد، موضحة آليات الدعم المجتمعي: "لم نقرر البقاء هنا فحسب، بل أنشأنا نظامًا للخدمة الاجتماعية والرعاية. نحن المدنيون الذين قرروا البقاء على الرغم من الغارات والقصف الإسرائيلي المستمر، نساعد بعضنا البعض ونتأكد من أن الجميع لديهم قوتهم". وأضافت، بوصف مؤثر: "أخبز بكل هذا الحب الذي يمكن أن يتغلب على أصوات الغارات والقنابل. أطعم العائلة والأصدقاء وكل من يشم رائحة خبزي". ووصفت تغريد الوضع قائلة: "كأننا لم نعد مجرد أناس من نفس الأرض – لقد أصبحنا عائلة كبيرة واحدة، متحدين لحماية منزلنا: لبنان". واختتمت حديثها بالقول: "لدينا إيمان قوي بأننا سننتصر في هذه الحرب، تمامًا كما وعدنا الشهيد السيد حسن نصر الله".

من جهته، يوزع حيدر كرار، وهو مراهق، الطعام والماء والحفاضات وغيرها من الاحتياجات اليومية على الأشخاص الذين قرروا البقاء، ليصبح بذلك مثالاً حياً على الدور الذي يلعبه الشباب في هذه الأزمة. وقال حيدر كرار، معبراً عن نضجه المبكر: "أعرف أنكم قد تعتقدون أنني صغير، لكنني كبير القلب والعقل. أوزع الطعام والماء والحفاضات وجميع أنواع الاحتياجات اليومية على الأشخاص الذين قرروا عدم المغادرة، ولكن البقاء صامدين. تصميمنا أعلى صوتًا من أي كلمات. هذه الأرض هي أرضنا، ولا أحد يستطيع طردنا". وتحدى كرار، بكلمات تحمل الكثير من الشجاعة: "أنا أتحدى العدو الإسرائيلي اليوم – إما النصر أو الشهادة. في الواقع، يجب أن نشكر إسرائيل على تحويلنا، الجيل الشاب، إلى أناس واعين وحقيقيين". هذه الشهادات تعكس إرادة لا تلين، وتؤكد أن الصمود ليس مجرد شعار، بل هو واقع معاش يومياً.

إرادة البقاء والكرامة: جذور الصمود في الأرض

شهد أبو حيدر ثلاث حروب في النبطية، أعوام 2006 و2024 و2026، ولم يغادر قريته قط، مما يجعله شاهداً حياً على تاريخ طويل من المقاومة. وصرح أبو حيدر لوكالات الأنباء، بأن "أعمال العدوان هذه بنت صمودنا وشخصيتنا وقوتنا الداخلية". وأكد أن "من حقنا الأساسي أن نعيش في بلدنا بسلام". مضيفاً: "كما نغني في نشيدنا الوطني، "كلنا! للوطن، للمجد، للعلم!" لم نغتصب أرض أحد قط. هذه أرضنا، ولن نغادرها إلا على جثثنا".

وبين أبو حيدر أن "الماء والغذاء والدواء هي العناصر الأساسية للبقاء صامدين". وتابع، موضحاً دوره الفاعل: "لدي دراجة نارية، ويمكنني التنقل بسهولة، لذلك قررت مساعدة من ليس لديهم وسيلة نقل أو كبار السن. كما نحاول تشجيع بعضنا البعض، ونشر المشاعر الإيجابية ورفع معنوياتنا". ورغم بقائه، يعتقد أبو حيدر أن "النزوح هو أيضاً شكل آخر من أشكال المقاومة - التحمل والصبر والسماح للمقاومة بالقيام بواجبها في مواجهة النظام الغاصب، خاصة في القرى الأمامية لجنوب لبنان". واستدرك قائلاً، مؤكداً على اختياره الواعي: "ولكن طالما أننا نعرف ونؤمن بأننا نواجه عدواً قاسياً يحاول سرقة أرضنا وتدمير أحلامنا الصغيرة بالعيش مع عائلاتنا وأصدقائنا بسلام على أرضنا، ولدينا الفرصة للبقاء والمساعدة، فنحن على استعداد لخوض هذه الرحلة والاستمتاع بها أيضاً!".

كما انتقد أبو حيدر السياسات الدولية، قائلاً: "لسنوات، بذلت الولايات المتحدة قصارى جهدها لإضعاف الجيش اللبناني والنظام اللبناني، ربما ظناً منها أن هذا قد يساعد إسرائيل في هزيمتنا بسهولة". لكنه شدد على أن "ما لا يعرفونه هو هذا: إرادتنا وعزيمتنا لا يمكن هزيمتها. إذا لم يكن هناك نظام، نخلق نظامنا الخاص". وأوضح أبو حيدر كيف تظهر هذه الإرادة على أرض الواقع: "جميعنا نقدم لبعضنا البعض الخدمات في مجالات خبرتنا. على سبيل المثال، أنا سباك. أقدم خدمات مجانية لأي شخص خلال الحرب. هذا هو نصيبي في هذه المعركة. الأطباء، والصيادلة، والبستانيون، والسائقون - جميعهم مدنيون لبنانيون مستعدون لمساعدة مجتمعهم في أوقات الشدة."

تحدي العدو وإعادة بناء الحياة: نموذج للثبات

يُظهر سكان الجنوب اللبناني تصميمًا على تحدي العدو وإعادة بناء الحياة اليومية رغم التهديدات المستمرة. ففي النبطية، شهد أبو حيدر ثلاث حروب أعوام 2006 و2024 و2026، ولم يغادر قريته أبدًا، ليصبح رمزاً للثبات. وصرح لوكالات الأنباء بأن "أعمال العدوان هذه بنت صمودنا وشخصيتنا وقوتنا الداخلية"، مؤكدًا أن "من حقنا الأساسي أن نعيش في بلدنا بسلام". وأضاف: "كما نغني في نشيدنا الوطني، "كلنا! للوطن، للمجد، للعلم!" لم نغتصب أرض أحد قط. هذه أرضنا، ولن نغادرها إلا على جثثنا".

وبين أبو حيدر أن الماء والغذاء والدواء هي عناصر أساسية للبقاء، مشيرًا إلى استخدامه دراجته النارية للتنقل ومساعدة من ليس لديهم وسيلة نقل أو كبار السن. كما يعمل على تشجيع الآخرين ونشر المشاعر الإيجابية ورفع المعنويات، محولاً كل فعل يومي إلى دعم معنوي ومادي. ورغم بقائه، يعتقد أبو حيدر أن النزوح هو أيضًا شكل من أشكال المقاومة، يتمثل في "التحمل والصبر والسماح للمقاومة بالقيام بواجبها في مواجهة النظام الغاصب، خاصة في القرى الأمامية لجنوب لبنان". لكنه استدرك قائلاً، بكلمات تعكس عمق إيمانه: "ولكن طالما أننا نعرف ونؤمن بأننا نواجه عدواً قاسياً يحاول سرقة أرضنا وتدمير أحلامنا الصغيرة بالعيش مع عائلاتنا وأصدقائنا بسلام على أرضنا، ولدينا الفرصة للبقاء والمساعدة، فنحن على استعداد لخوض هذه الرحلة والاستمتاع بها أيضاً!". هذه الروح المعنوية العالية والتكافل المجتمعي يجسدان صموداً فريداً، يؤكد أن إرادة الحياة والكرامة أقوى من أي محاولات للتهجير أو الترهيب.