يواجه ست شركات بناء عالمية اتهامات بتقديم المساعدة والتحريض على ارتكاب جرائم حرب في جنوب لبنان، وذلك من خلال تزويد إسرائيل بآليات حفر وجرافات، بحسب خبراء حقوق الإنسان وتحليل أجرته صحيفة الغارديان. وقد تحققت الغارديان من صور تظهر حفارات تابعة لهذه الشركات الست وهي تهدم منازل في بلدات مختلفة بجنوب لبنان. يشير هذا التحقيق إلى أن الشركات المعنية قد تكون متورطة في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني.
في سياق متصل، أفادت صحيفة نيويورك تايمز في شهر مايو/أيار بأن إسرائيل قد دمرت أكثر من اثني عشرين بلدة وقرية حدودية لبنانية منذ بدء حربها على لبنان في مارس/آذار الماضي. وتثير هذه التقارير تساؤلات جدية حول المسؤولية القانونية للشركات التي توفر المعدات المستخدمة في هذه العمليات، خاصة مع تزايد الأدلة على التدمير الممنهج للبنية التحتية والممتلكات المدنية في المنطقة الحدودية.
نطاق الدمار وتوسعه
ذكر تقرير جديد صادر عن منظمة العفو الدولية أن صورها أظهرت "إزالة شبه كاملة لجميع البلديات تقريباً على طول الحدود". وأفادت المنظمة بأن إسرائيل "نفذت تدميراً واسع النطاق" منذ حربها على لبنان عام 2024، مضيفة أنه "في السابق، ربما بقيت هياكل وأجزاء من القرى سليمة. أما الآن، فقد سُوّيت جميعها تقريباً، وتوسع الدمار الشديد ليشمل بلديات أبعد [عن الحدود]". هذا التوسع في الدمار يشير إلى سياسة ممنهجة لتغيير المشهد السكاني والعمراني في المنطقة الحدودية، مما يثير مخاوف جدية بشأن التهجير القسري للسكان.
ووفقاً لصحيفة الغارديان، فقد تعرضت 46 بلدة وقرية في جنوب لبنان لأضرار بالغة حتى الآن، مما يعكس حجم الكارثة الإنسانية والبنية التحتية التي تشهدها المنطقة. كما أشارت صحيفة هآرتس إلى أن إسرائيل دمرت أو ألحقت أضراراً بأكثر من 10,000 مبنى في جنوب لبنان خلال حربها عام 2024، وأن عدداً أكبر من المباني دُمر في الحرب الحالية التي بدأت في مارس/آذار. وتشير بعض التقديرات إلى أن 36,000 منزل دُمرت في جنوب لبنان وحده، مما يترك عشرات الآلاف من اللبنانيين بلا مأوى ويشكل تحدياً كبيراً لجهود إعادة الإعمار المستقبلية. هذا الدمار لا يقتصر على المنازل فحسب، بل يمتد ليشمل البنية التحتية الأساسية والخدمات الحيوية، مما يعيق عودة السكان ويؤثر على سبل عيشهم.
آليات التدمير والمسؤولية المحتملة
أظهرت صور ومقاطع فيديو التقطت في شهر أبريل/نيسان استخدام الجيش الإسرائيلي لآليات حفر من إنتاج شركات Caterpillar، وVolvo، وHyundai، وDoosan، وHitachi، وKomatsu في تدمير منازل ومتاجر وألواح شمسية وبنى تحتية مائية ومبانٍ أخرى في أنحاء جنوب لبنان. وقد قامت الغارديان بالتحقق من هذه الصور، مؤكدة استخدام حفارات من الشركات الست المذكورة في هدم المنازل في بلدات لبنانية مختلفة. هذا الاستخدام المكثف للمعدات الثقيلة يشير إلى عمليات هدم واسعة النطاق ومنظمة، تهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي وجغرافي في المنطقة الحدودية اللبنانية.
في الشهر نفسه، أشارت صحيفة هآرتس إلى أن إسرائيل أدخلت عشرات من المركبات الثقيلة، بما في ذلك حفارات يشغلها مقاولون مدفوعو الأجر، إلى جنوب لبنان. وذكرت الصحيفة أن بعض هؤلاء العمال كانوا يتلقون تعويضات "بناءً على عدد المباني" التي دمرت، مما يثير تساؤلات حول الدوافع وراء عمليات الهدم وحجمها. هذا النهج في التعويض يشير إلى تحفيز مباشر على زيادة وتيرة وحجم التدمير، مما يرفع من مستوى المخاطر القانونية والأخلاقية المرتبطة بهذه العمليات.
وكان بعض هؤلاء المقاولين قد عملوا سابقاً في غزة، حيث قاموا بهدم منشآت مدنية هناك، مما يشير إلى نمط متكرر في استخدام هذه الآليات والأساليب. كما أشارت صحيفة هآرتس إلى أن عمليات الهدم استمرت خلال فترات "وقف إطلاق النار"، التي وصفها التقرير بأنها كانت بمثابة وقفات أحادية الجانب استمرت فيها إسرائيل في عمليات التدمير. وذكرت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي كان يراقب ويتتبع عمليات الهدم عن كثب، مما يدل على أن هذه العمليات لم تكن عشوائية بل كانت جزءاً من خطة محددة وتكتيك عسكري. وفي مارس/آذار، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس بأن "جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود اللبنانية سيتم هدمها وفقاً لنموذج رفح وبيت حانون في غزة"، مما يؤكد وجود سياسة واضحة للهدم تستهدف المناطق الحدودية اللبنانية، وتتبع نمطاً مشابهاً لما حدث في مناطق أخرى.
تحذيرات حقوقية ومخاطر قانونية
قد تواجه الشركات التي تنفذ أنشطة تساهم في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي في لبنان، مثل التدمير الواسع للممتلكات المدنية، خطر تعرضها هي أو مديريها وموظفيها للملاحقة القضائية بتهمة التواطؤ في جرائم حرب. صرح بذلك مارك دومت، نائب مدير البرنامج ورئيس قسم الأعمال والأمن وحقوق الإنسان في منظمة العفو الدولية. وأضاف دومت أن "الشركات التي تنفذ أنشطة تساهم في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي في لبنان، مثل التدمير الواسع للممتلكات المدنية، قد تعرض نفسها، أو مديريها الأفراد وموظفيها، لخطر الملاحقة القضائية بتهمة التواطؤ في جرائم حرب". هذه التحذيرات تسلط الضوء على المسؤولية الجنائية المحتملة للمؤسسات والأفراد المشاركين في هذه الأنشطة، وتدعو الشركات إلى مراجعة سلاسل توريدها وعملياتها لضمان الامتثال للقانون الدولي.
ركز تقرير منظمة العفو الدولية على التهجير القسري، الذي وصفه بأنه يرقى إلى "النقل غير القانوني"، وهو جريمة حرب أخرى. تشير المنظمة إلى أن هذه الممارسات تشكل انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية التي تحظر تهجير السكان المدنيين بالقوة وتدمير ممتلكاتهم دون ضرورة عسكرية قصوى، مؤكدة على أن التهجير القسري للمدنيين هو انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني. هذا التركيز على التهجير القسري يبرز بعداً إنسانياً وقانونياً خطيراً، حيث أن تدمير المنازل والبنية التحتية يدفع السكان إلى النزوح بشكل دائم.
شهادات وتقييمات دولية
صرحت هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) بأن تدمير إسرائيل للقرى قد يرقى إلى مستوى التدمير العشوائي، الذي يُعد جريمة حرب. وأضافت المنظمة أن هذا يأتي بالإضافة إلى جرائم حرب أخرى محتملة ارتكبتها إسرائيل في لبنان، مثل التهجير القسري والهجمات التي تستهدف المدنيين عمداً. وتُشير هذه التقييمات إلى تزايد المخاوف الدولية بشأن طبيعة العمليات العسكرية في جنوب لبنان وتداعياتها القانونية، وتدعو إلى تحقيق دولي شامل ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. هذه المنظمات الحقوقية تشدد على ضرورة تطبيق القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين وممتلكاتهم في أوقات النزاع، وتؤكد أن الأفعال المرتكبة في جنوب لبنان قد تجاوزت الحدود المقبولة قانونياً وأخلاقياً.