سوريا ولبنان يعززان التعاون الاقتصادي عبر مذكرات تفاهم واجتماعات رفيعة

Syrian President Ahmed al-Sharaa receives a Lebanese economic delegation ahead of the signing of memoranda of understanding between the two countries, July 14, 2026. (Syrian Presidency)
الصورة: Syrian Presidency عبر News

أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية يوم الأربعاء 15 يوليو 2026، توقيع مذكرة تعاون بين اتحاد غرف التجارة السورية وغرفة تجارة وصناعة وزراعة بيروت وجبل لبنان، وذلك خلال اجتماعات اقتصادية سورية-لبنانية في دمشق تهدف لتعزيز التجارة والاستثمار والتعاون الاقتصادي بين البلدين. وقد جاء هذا الإعلان ليؤكد على التوجه الجديد نحو تقوية الروابط الاقتصادية الثنائية.

جاء هذا التطور البارز بعد زيارة وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر بيسات إلى دمشق، حيث استقبله الرئيس السوري أحمد الشرع يوم الثلاثاء 14 يوليو 2026. وقد حضر هذا اللقاء الهام وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار، مما عكس الأهمية التي توليها الحكومتان لهذا التعاون. وخلال هذه الاجتماعات، وقع الطرفان اتفاقيتي تعاون مشتركتين بالإضافة إلى مذكرة التعاون المذكورة بين اتحاد غرف التجارة السورية وغرفة تجارة وصناعة وزراعة بيروت وجبل لبنان، في خطوة تعكس التزاماً راسخاً بتعزيز الشراكة الاقتصادية.

وشدد الرئيس أحمد الشرع على سعي سوريا لروابط اقتصادية مع لبنان بدلاً من الروابط العسكرية، مؤكداً أن دور سوريا في لبنان يجب أن يكون إيجابياً ويخدم مصالح البلدين. وقد جاءت هذه التصريحات لتؤطر الرؤية الاستراتيجية للعلاقات المستقبلية بين البلدين. وأشار الرئيس الشرع إلى أن بيروت كانت تاريخياً بمثابة البوابة البحرية لدمشق، بينما كانت طرابلس البوابة البحرية لحمص، مما يبرز الترابط الجغرافي والتاريخي العميق. وذكر أن سوريا بدأت تبرز كحلقة وصل استراتيجية بين الشرق والغرب، وأن الساحل المتوسطي أصبح ذا أهمية قصوى لسلاسل الإمداد والتوزيع العالمية، وهو ما يمنح البلدين موقعاً محورياً في التجارة الإقليمية والدولية. وأضاف الشرع أن العلاقات بين سوريا ولبنان يجب أن تبدأ من نقاط الاتفاق لا الاختلاف، وأن لبنان يجب أن يستفيد من سوريا، داعياً إلى بناء شراكة قائمة على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة. وكانت هذه التطورات قد سبقتها زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان في 2 يوليو 2026، حيث وقع اتفاقاً لإنشاء اللجنة السورية-اللبنانية العليا، مما يمهد الطريق لتعاون مؤسسي أعمق.

آفاق التعاون الاقتصادي المشترك

في إطار تعزيز هذه العلاقات، عقدت مائدة مستديرة سورية-لبنانية مشتركة في دمشق، جمعت ممثلين عن الهيئات الاقتصادية والقطاع الخاص من البلدين لبحث سبل تعزيز التعاون. وقد شهدت هذه المائدة المستديرة نقاشات معمقة حول الفرص المتاحة والتحديات التي يمكن تجاوزها من خلال التنسيق المشترك.

صرح وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار بأن المناقشات مع الوفد اللبناني، الذي رافق وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر بيسات، أرست الأسس لتعاون عملي في قطاعات متعددة. وأشار الشعار إلى الجهود الجارية لتطوير آليات تبادل المعلومات الاقتصادية وإنشاء مراكز متخصصة لجمع وتحليل البيانات، مما سيسهم في اتخاذ قرارات اقتصادية مبنية على معلومات دقيقة ومحدثة. كما يجري العمل على استكمال مذكرات التفاهم بين اتحادات غرف التجارة والصناعة في سوريا ولبنان، بهدف تغطية كافة الجوانب التجارية والصناعية المشتركة.

من جهته، ذكر وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر بيسات أن "المجلس السوري-اللبناني للأعمال سيكون بمثابة منصة دائمة للحوار والمتابعة للمبادرات المشتركة". وأكد بيسات على أهمية هذا المجلس في ضمان استمرارية التنسيق وتحديد الأولويات. وتتضمن هذه المبادرات جهوداً حثيثة لإزالة الحواجز التجارية وتسهيل حركة رجال الأعمال بين البلدين، مما سيؤدي إلى زيادة حجم التبادل التجاري وتنشيط الاستثمارات المتبادلة.

وتنص مذكرة التفاهم الموقعة على تطوير وتشجيع التعاون في المجالات التجارية والأنشطة الاقتصادية والصناعية المختلفة، مما يفتح آفاقاً واسعة للشراكة في قطاعات حيوية. كما تسعى المذكرة إلى تعزيز العلاقات والتواصل والروابط المهنية بين أعضاء الغرف في كلا البلدين، لخلق بيئة عمل متكاملة ومترابطة. وتدعو المذكرة إلى إعداد برامج وآليات لتوسيع شبكات التواصل بين الأعضاء من الجانبين، مما يسهل تبادل الخبرات والمعارف. تنص مذكرة التفاهم على تبادل المعلومات حول الفرص التجارية المتاحة، وتقديم التسهيلات التجارية الممكنة للمستثمرين والتجار، والترويج للفعاليات الاقتصادية المشتركة مثل المعارض والمؤتمرات، بهدف جذب المزيد من الاستثمارات وتنشيط الأسواق.

بيئة الاستثمار والإصلاحات الاقتصادية

في سياق متصل، قدم رئيس هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، عرضاً شاملاً للإصلاحات التي تضمنها قانون الاستثمار رقم 114. ركز العرض على تفاصيل القانون الجديد ومساهمته المتوقعة في تحسين المناخ الاستثماري في سوريا، مشدداً على التزام الحكومة بتوفير بيئة جاذبة لرؤوس الأموال.

يهدف قانون الاستثمار رقم 114 إلى تحسين بيئة الاستثمار بشكل عام، وذلك عبر تبسيط الإجراءات المطلوبة للمستثمرين، مما يقلل من البيروقراطية ويسرع من عملية تأسيس الأعمال. كما يسعى القانون إلى تعزيز الضمانات القانونية الممنوحة للمستثمرين، بهدف توفير بيئة أكثر جاذبية وأماناً لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وضمان حقوقهم وممتلكاتهم. ويأتي هذا القانون في سياق جهود الحكومة السورية لجذب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد، وإعادة بناء القطاعات المتضررة، وتوفير فرص عمل جديدة للمواطنين. وتُعد هذه الإصلاحات جزءاً من رؤية اقتصادية أوسع تهدف إلى تحقيق النمو المستدام والتنمية الشاملة.

تأسيس آليات التعاون المؤسسي

في خطوة استباقية لتعزيز هذه الروابط، أسست وزارة الاقتصاد والصناعة السورية الجانب السوري من المجلس السوري-اللبناني للأعمال في الخامس عشر من مارس عام 2026. وجاء هذا التأسيس في إطار المساعي لتعزيز الروابط الاقتصادية الثنائية بين البلدين، وتوفير إطار عمل منظم للتعاون المستقبلي.

وقد تم تعيين ليلى السمان رئيسة للجانب السوري من المجلس السوري-اللبناني للأعمال، وهي شخصية ذات خبرة واسعة في الشأن الاقتصادي. كما جرى تعيين إسماعيل عفارة ورياض أبا جي بصفة نائبين للرئيس في الجانب السوري لنفس المجلس، مما يضمن تمثيلاً قوياً ومتنوعاً للقطاع الخاص. وتكتمل هذه التعيينات بتسمية أديب بساطنة مديراً تنفيذياً للجانب السوري من المجلس السوري-اللبناني للأعمال، ليتولى الإشراف على تنفيذ المبادرات والخطط المشتركة.

ويهدف تشكيل هذا المجلس إلى توفير إطار مؤسسي يدعم المبادرات المشتركة بين البلدين في القطاعات التجارية والاقتصادية، ويعمل كقناة تواصل فعالة بين مجتمعي الأعمال. وتُعد اللجنة السورية-اللبنانية العليا، التي تم الاتفاق على إنشائها مسبقاً خلال زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان في 2 يوليو 2026، خطوة أساسية أخرى في هذا الاتجاه. وتُعنى هذه اللجنة بتقوية التعاون المؤسسي وتطوير العلاقات الثنائية على أعلى المستويات. كما تهدف اللجنة السورية-اللبنانية العليا إلى تعزيز التعاون الثنائي على أسس من الاحترام المتبادل وحسن الجوار، مع التأكيد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل من سوريا ولبنان، مما يرسخ الثقة المتبادلة ويضمن استقلالية القرارات السيادية لكل طرف.

ويُتوقع أن تسهم هذه الآليات في بناء علاقات اقتصادية أكثر استدامة وتكاملاً بين دمشق وبيروت، مما يعود بالنفع على شعبي البلدين ويسهم في استقرار المنطقة وازدهارها الاقتصادي.

رؤية استراتيجية للعلاقات الثنائية

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن بلاده تسعى لروابط اقتصادية مع لبنان بدلاً من الروابط العسكرية، مشدداً على أن "دور سوريا في لبنان يجب أن يكون إيجابياً ويخدم مصالح البلدين". وقد عكست هذه التصريحات التزاماً واضحاً بتحويل طبيعة العلاقة نحو التعاون التنموي. وذكر الشرع في مقابلة أجريت في يونيو 2026 أن "بيروت كانت تاريخياً بمثابة البوابة البحرية لدمشق، بينما كانت طرابلس البوابة البحرية لحمص"، مؤكداً على الروابط الجغرافية والاقتصادية التي لا يمكن فصلها. وأشار إلى أن "سوريا بدأت تبرز كحلقة وصل استراتيجية بين الشرق والغرب"، مما يمنحها دوراً حيوياً في التجارة الدولية. وأن "الساحل المتوسطي أصبح ذا أهمية قصوى لسلاسل الإمداد والتوزيع"، وهو ما يضع سوريا ولبنان في موقع استراتيجي يمكن استغلاله لتعزيز التبادل التجاري. وأضاف الشرع أن "العلاقات بين سوريا ولبنان يجب أن تبدأ من نقاط الاتفاق لا الاختلاف، وأن لبنان يجب أن يستفيد من سوريا"، داعياً إلى تجاوز أي خلافات سابقة والتركيز على المصالح المشتركة التي تعود بالنفع على الجميع.