برلمان لبنان يؤجل التصويت على إلغاء عقوبة الإعدام وسط خلاف سياسي حاد وتوتر سياسي

The parllamentary session was adjourned after members of the Christian Lebanese Forces bloc walked out of the chamber. AFP
الصورة: AFP عبر News

أجّل البرلمان اللبناني جلسته التشريعية التي كانت مقررة ليومين، وتحديداً يوم الخميس الموافق 17 يوليو 2026، والتي كان من المزمع أن يتم خلالها التصويت على مشروع قانون يهدف إلى إلغاء عقوبة الإعدام في البلاد. جاء هذا التأجيل بعد أن فقدت الجلسة البرلمانية نصابها القانوني، الذي يتطلب حضور ثلثي الأعضاء، مما حال دون المضي قدماً في المناقشات والتصويت على البنود المدرجة على جدول الأعمال. وقد أتى فقدان النصاب نتيجة لانسحاب أعضاء كتلة القوات اللبنانية المسيحية من القاعة، في خطوة احتجاجية عكست الخلافات العميقة بشأن كيفية التعامل مع هذا الملف الشائك.

وقد سبق الانسحاب البرلماني طلبٌ من النواب بإدراج بند مناقشة عقوبة الإعدام ضمن جدول أعمال الجلسة، وهو الطلب الذي قوبل بالرفض. هذا الرفض هو ما دفع أعضاء كتلة القوات اللبنانية إلى الانسحاب، مؤكدين على أهمية مناقشة هذا القانون بشكل مستفيض قبل أي تصويت. وقد أثار هذا التأجيل جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والقانونية، مسلطاً الضوء على التحديات التي تواجه عملية الإصلاح التشريعي في لبنان، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الحساسة التي تمس العدالة الجنائية وحقوق الإنسان.

خلفية تشريعية لمشروع قانون إلغاء عقوبة الإعدام

في سياق التحضيرات التشريعية، كانت ثلاث لجان برلمانية لبنانية مشتركة قد وافقت في التاسع من يوليو/تموز 2026 على مشروع قانون يلغي عقوبة الإعدام في البلاد. هذه الموافقة الأولية كانت خطوة مهمة نحو المضي قدماً في إلغاء هذه العقوبة المثيرة للجدل، والتي طالما كانت محط اهتمام المنظمات الحقوقية المحلية والدولية. يتطلب القانون المقترح موافقة البرلمان بحضور 65 عضواً على الأقل من أصل 128 عضواً إجمالياً ليصبح نافذاً، مما يشير إلى الحاجة لدعم واسع النطاق وتوافق سياسي كبير لضمان إقراره وتطبيقه. هذا العدد الضروري من الأصوات يبرز حجم التحدي الذي يواجه مؤيدي إلغاء العقوبة في ظل الانقسامات البرلمانية القائمة.

ويُشكل مشروع قانون إلغاء عقوبة الإعدام جزءاً لا يتجزأ من حزمة إصلاحات أوسع نطاقاً تستهدف تحديث وتطوير النظام القضائي والجنائي في لبنان. تهدف هذه الإصلاحات إلى مواءمة التشريعات اللبنانية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتعزيز مبادئ العدالة والإنصاف في المنظومة القانونية للبلاد. تأتي هذه الجهود في وقت تتزايد فيه الدعوات لإصلاحات جذرية في النظام القضائي اللبناني، بهدف معالجة القضايا العالقة وتحسين كفاءة وشفافية العدالة.

لم يقتصر جدول أعمال الجلسة البرلمانية التي كانت مقررة يوم الخميس 17 يوليو/تموز 2026 على مناقشة عقوبة الإعدام فحسب، بل أُدرج مشروع قانون عفو عام أيضاً ضمن البنود المقترحة للتصويت. يعكس إدراج مشروع قانون العفو العام الضغوط التشريعية المتزايدة لمعالجة قضايا العدالة الجنائية في البلاد، خاصة في ظل الأوضاع الصعبة التي تشهدها السجون اللبنانية. هذه القوانين المقترحة، سواء إلغاء عقوبة الإعدام أو العفو العام، تمثل محاولات لتخفيف الأعباء على النظام القضائي والسجني، وتوفير حلول لبعض المشاكل المزمنة التي تواجهها البلاد.

أسباب انسحاب كتلة القوات اللبنانية ومخاوفها

صرح النائب فادي كرم، وهو عضو بارز في كتلة القوات اللبنانية، بأن معارضة كتلته لم تكن موجهة ضد مبدأ إلغاء عقوبة الإعدام بحد ذاته. وأوضح كرم أن القوات اللبنانية لا تؤمن بمبدأ "قتل القاتل"، مشدداً على أن القضية الأساسية التي دفعت الكتلة لاتخاذ موقفها الاحتجاجي تكمن في طريقة تنفيذ التغييرات التشريعية المقترحة. وأضاف كرم، وفقاً لتصريحاته التي نقلتها وسائل الإعلام: "نحن ضد عقوبة الإعدام لأننا لا نؤمن بقتل القاتل، لكننا لسنا مع تخفيف عقوبة شخص حكم عليه بالإعدام بطريقة تسمح له بمغادرة السجن بعد الاستفادة من قانونين."

وأوضح النائب كرم أن الشاغل الرئيسي لكتلته يتمثل في إمكانية استفادة السجناء من تخفيف الأحكام مرتين، إذا ما تم تخفيف أحكام الإعدام قبل إقرار قانون العفو العام. وأفاد بأن هذا السيناريو قد يسمح لبعض المدانين بعقوبة الإعدام بالاستفادة من تخفيف العقوبة الأولى، ثم الاستفادة مرة أخرى من قانون العفو المقترح، مما قد يؤدي إلى إطلاق سراحهم من السجن بشكل مبكر. ولفت إلى أن هذا التخوف من "الاستفادة المزدوجة" هو ما دفع الكتلة لاتخاذ موقفها الرافض للمضي قدماً في النقاش بهذه الطريقة المتسرعة، والتي قد تكون لها تبعات غير محسوبة على الأمن العام والعدالة.

وفي ضوء هذه المخاوف الجدية، طلبت كتلة القوات اللبنانية سحب مشروع قانون تخفيف أحكام الإعدام وتأجيله. جاء هذا الطلب بهدف ضمان دراسة شاملة لكافة التداعيات المحتملة لتطبيق القانونين بالتزامن، وتجنب أي نتائج غير مقصودة قد تنشأ عن هذا التداخل التشريعي. وقد أدى هذا المطلب، إلى جانب رفض رئاسة البرلمان إدراج بند مناقشة عقوبة الإعدام في جدول الأعمال بشكل مستقل ومفصل، إلى انسحاب أعضاء الكتلة من الجلسة البرلمانية. هذا الانسحاب كان له تأثير مباشر وفوري، حيث تسبب في فقدان النصاب القانوني اللازم لاجتماع البرلمان، وبالتالي أدى إلى تأجيل التصويت على جميع البنود المدرجة، بما في ذلك مشروع إلغاء عقوبة الإعدام ومشروع قانون العفو العام.

وضع عقوبة الإعدام في لبنان وتحديات السجون

لا تزال المحاكم اللبنانية تصدر أحكام الإعدام بشكل مستمر، مما يبقي على عقوبة الإعدام ضمن المنظومة القضائية في البلاد كعقوبة قانونية معترف بها. ومع ذلك، وعلى الرغم من استمرار إصدار هذه الأحكام، فإن هناك غياباً فعلياً لتنفيذها منذ ما يقرب من عقدين من الزمن. لم يتم تنفيذ أي إعدام في لبنان منذ عام 2004، مما يشير إلى وجود وقف فعلي لتطبيق هذه العقوبة، وإن لم يكن هناك إلغاء قانوني صريح لها. هذا الوضع يخلق حالة من عدم اليقين القانوني والإنساني للمحكوم عليهم.

ويوجد حالياً حوالي 80 سجيناً محكوماً عليهم بالإعدام في لبنان، ينتظرون مصيرهم في ظل النقاشات الجارية حول إلغاء العقوبة أو تخفيفها. هؤلاء السجناء يعيشون في وضع معلق، حيث إن أحكامهم قائمة لكن تنفيذها متوقف، مما يضيف تعقيداً على أوضاعهم القانونية والإنسانية.

تُطبق عقوبة الإعدام في لبنان على جرائم متعددة وخطيرة، بما في ذلك القتل العمد، والإرهاب، والخيانة. هذا النطاق الواسع للجرائم التي تستوجب الإعدام يبرز مدى تعقيد الموقف القانوني والإنساني الذي تواجهه البلاد، ويؤكد على ضرورة معالجة هذا الملف بعناية فائقة.

تأتي هذه المناقشات التشريعية والقضائية في وقت تعاني فيه السجون اللبنانية من اكتظاظ شديد، حيث تضم حالياً نحو 8,500 سجين، وهو عدد يتجاوز طاقتها الاستيعابية البالغة 4,500 سجين. هذا الاكتظاظ يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى النقاشات حول العدالة الجنائية وإصلاح السجون في لبنان، ويجعل من الضروري إيجاد حلول شاملة وفعالة لمعالجة التحديات المتراكمة في هذا القطاع الحيوي. إن الظروف داخل السجون، والتي تفاقمت بسبب الاكتظاظ، تزيد من الضغوط على الحكومة والبرلمان لإيجاد حلول مستدامة تضمن العدالة وتحترم حقوق المحتجزين.