وقعت لبنان وإسرائيل أواخر الشهر الماضي اتفاقية إطارية بوساطة الولايات المتحدة، وهي خطوة دبلوماسية مهمة جاءت بعد مفاوضات مكثفة. جرى التفاوض على هذه الاتفاقية الإطارية مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، مما يبرز الدور المحوري للولايات المتحدة في الملف. وصفت ندى حمادة معوض، كبيرة المفاوضين اللبنانيين، الاتفاقية بأنها "خطوة أولى على طريق استعادة السيادة اللبنانية وسلامة أراضيها"، معبرة عن آمال لبنان في تحقيق الاستقرار. لم يمض وقت طويل بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب توقعه "وقف إطلاق نار كامل على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان وحزب الله وإسرائيل"، حتى نفذت إسرائيل ضربة واسعة النطاق على مستودع أسلحة حزب الله في لبنان. هذا التطور السريع أثار تساؤلات حول مدى فعالية الاتفاقية وقدرتها على تحقيق الهدوء المنشود على الأرض، خاصة مع استمرار التوترات الأمنية والعسكرية في المنطقة.
رؤى أمريكية متناقضة للمنطقة
تفاوضت الولايات المتحدة على اتفاقيات موازية بناءً على رؤيتين متناقضتين لمكانة لبنان في لغز السلام الشرق أوسطي، مما يعكس تحديًا داخليًا في صياغة سياستها الخارجية. فقد تعامل المسار الذي توسط فيه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع الصراع الإسرائيلي اللبناني كما لو لم يكن لإيران شأن فيه، مفترضًا إمكانية فصل القضيتين. في المقابل، تشكلت عملية السلام بقيادة نائب الرئيس الأمريكي JD Vance (جيه دي فانس) إلى حد كبير من خلال المطالب الإيرانية تجاه لبنان، معترفًا بالنفوذ الإيراني كعامل أساسي في أي تسوية إقليمية. هذا التناقض الجوهري في النهج الأمريكي يثير علامات استفهام حول التماسك الاستراتيجي للسياسة الأمريكية في المنطقة.
تتعارض شروط الاتفاق الإطاري الذي توسط فيه روبيو مع تلك الواردة في آخر مذكرة تفاهم أبرمها نائب الرئيس الأمريكي JD Vance مع إيران. وقد ركز اتفاق فانس، الذي توسطت فيه باكستان وقطر، على إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي للتجارة العالمية. أوضحت إيران أن إعادة فتح مضيق هرمز مشروط بإنهاء غير مشروط لحرب إسرائيل ضد حزب الله والانسحاب من لبنان، مما يربط بين مصالحها الاقتصادية ومطالبها الأمنية الإقليمية. هذا التناقض في الموقف الأمريكي يعكس تحديات عميقة في صياغة سياسة إقليمية متماسكة، حيث تتعارض الأهداف والمصالح بين المسارين التفاوضيين. المساران التفاوضيان يعكسان استراتيجيات متباينة للتعامل مع النفوذ الإيراني في المنطقة. بينما يسعى أحد المسارين لعزل مسألة لبنان عن التأثير الإيراني المباشر، يقر الآخر بأن المطالب الإيرانية جزء لا يتجزأ من أي تسوية أوسع تتعلق بالاستقرار الإقليمي. هذا الوضع يطرح تساؤلات حول فعالية أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بمعزل عن التوافق على رؤية موحدة للتعامل مع الفاعلين الإقليميين الرئيسيين، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي في الشرق الأوسط.
شروط نزع سلاح حزب الله: عقبة أمام السلام
يعتمد رحيل جيش الدفاع الإسرائيلي عن جنوب لبنان على "نزع السلاح المتحقق منه" لوكيل إيران، حزب الله. ومع ذلك، تشير الظروف السياسية الراهنة في لبنان وتعزز الموقف الإقليمي لإيران إلى أن نزع سلاح حزب الله بشكل كامل أمر مستبعد للغاية في هذه المرحلة. هذه الحقيقة تضع عقبة كبيرة أمام أي اتفاق يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع السلاح، مما يجعل الاتفاقية الإطارية تواجه تحديات جوهرية في التنفيذ. يرى البعض أن قطع خط الإمداد الإيراني عن حزب الله هو السبيل الوحيد لتقويض قدراته العسكرية، وتعزيز سيادة لبنان، وتأسيس حجة لا جدال فيها لانسحاب إسرائيل من البلاد. هذا الرأي يشير إلى أن التركيز على نزع السلاح وحده دون معالجة جذور الدعم الإيراني قد يكون غير كافٍ لتحقيق الأهداف المرجوة.
تعكس هذه المطالب تحديات عميقة في المشهد الأمني اللبناني والإقليمي. وقد تعهد نعيم قاسم (Naim Qassem)، أحد قادة حزب الله، بمواصلة القتال، مما يشير إلى رفض الحزب التخلي عن سلاحه، ويؤكد على موقفه الثابت في مواجهة أي ضغوط لنزع سلاحه. في سياق متصل، دعا قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، الذي أنهى حرب لبنان الثانية عام 2006، إلى نزع سلاح "جميع الجماعات المسلحة" في لبنان، وهو قرار لم يتم تطبيقه بالكامل حتى الآن. لم تتمكن القوات المسلحة اللبنانية ولا قوات الأمم المتحدة من فرض تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1701 بشكل فعال، مما يبرز التحديات الكبيرة في تحقيق هذا الهدف. هذا الفشل التاريخي في تطبيق القرار يبرز الصعوبات الكامنة في تحقيق نزع سلاح حزب الله، خاصة في ظل نفوذه السياسي والعسكري داخل لبنان ودعمه من إيران. يشير المراقبون إلى أن أي اتفاق مستقبلي يتجاهل هذه الحقائق على الأرض قد يواجه تحديات جمة في تحقيق الاستقرار الدائم، وقد يؤدي إلى استمرار حالة الجمود والتوتر. إن تجاهل هذه العوامل يقلل من فرص نجاح أي مبادرة سلام طويلة الأمد.
تداعيات الاتفاقية على الاستقرار الإقليمي
منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، تصاعدت حالة الارتياب لدى إسرائيل، وتجلّت طموحاتها التوسعية، وفقاً لبعض التقارير. هذا التطور يعقّد المشهد الإقليمي ويزيد من حدة التوترات القائمة، مما يجعل أي اتفاقيات سلام أكثر هشاشة. الاتفاقية التي توسط فيها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تهيئ المسرح لمأزق دائم، أو استمرارية للحرب، أو حتى تصعيد محتمل، وذلك لأنها تشترط انسحاب إسرائيل بنزع سلاح حزب الله دون تضمين أي بنود تتعلق بقطع خط الإمداد الإيراني عن حزب الله. هذا النهج يترك ثغرة قد تستغل لتبرير استمرار المواجهة، ويفشل في معالجة أحد الأسباب الجذرية لقوة حزب الله.
عملياً، وبحسب تحليلات، فقد سمح لبنان لإسرائيل بمواصلة قتال حزب الله على أراضيه السيادية إلى أجل غير مسمى بموجب هذه الاتفاقية. هذا الوضع يثير تساؤلات حول فعالية الاتفاق في تحقيق الاستقرار الدائم وحماية السيادة اللبنانية. وصف نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني، الاتفاق بأنه "تحريض على حرب أهلية"، مما يعكس المخاوف العميقة داخل لبنان من تداعيات هذه الترتيبات على النسيج الداخلي للبلاد. هذه التصريحات تبرز الانقسامات المحتملة وتحديات تنفيذ الاتفاق على أرض الواقع، وتشير إلى أن الاتفاق قد لا يحظى بقبول واسع داخل الأوساط اللبنانية.
دروس التاريخ وتحديات المستقبل
في عام 1983، أقنعت إدارة ريغان إسرائيل ولبنان بالموافقة على معاهدة سلام انهارت على الفور تقريبًا، مما يسلط الضوء على صعوبة إبرام اتفاقيات دائمة في المنطقة. أدت هذه الاتفاقية إلى الاحتفاظ الإسرائيلي بـ"المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، والتي استمرت من عام 1983 حتى مايو 2000. في تلك الفترة، انسحبت إسرائيل من جانب واحد من جنوب لبنان في مايو 2000، بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك. هذه الأحداث التاريخية تشير إلى تعقيدات الانسحابات الأحادية والتحديات التي تواجه اتفاقيات السلام في المنطقة، وتؤكد على أن الحلول المؤقتة غالبًا ما تؤدي إلى مشاكل طويلة الأمد. إن الدروس المستفادة من الماضي يجب أن تكون مرشدًا للمفاوضات الحالية والمستقبلية لضمان عدم تكرار الأخطاء التي أدت إلى عدم الاستقرار.