الهجمات الإسرائيلية تدمر القطاع الزراعي في جنوب لبنان وتهدد الأمن الغذائي

A United Nations Interim Force in Lebanon soldier stands guard as farmers harvest olives in the village of Odaisseh, located close to the Blue Line border with Israel, in southern Lebanon, in October. File Photo by Wael Hamzeh/EPA
الصورة: Wael Hamzeh/EPA عبر News

تُعاني الزراعة اللبنانية في جنوب لبنان من تداعيات الهجمات الإسرائيلية الواسعة، التي ألحقت أضراراً بالغة بمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وأدت إلى نزوح غالبية المزارعين في المنطقة. هذه التطورات تُهدد الأمن الغذائي للبلاد، وتُقوض مرونتها الاقتصادية، وتُعرض هويتها الثقافية للخطر. جاءت هذه الضربات في وقت حرج، حيث كان القطاع الزراعي لم يتعافَ بعد من آثار حرب 2023-2024 بين حزب الله وإسرائيل، التي سبق وأن أثرت عليه بشكل كبير قبل أن تتجدد الأعمال العدائية في مارس الماضي، مما فاقم من الأزمة الحالية. وتُعد هذه الهجمات بمثابة ضربة قاصمة لقطاع حيوي في لبنان، يواجه تحديات متزايدة.

حجم الدمار في الأراضي والمحاصيل

تُقدر الأضرار التي لحقت بالمناطق الزراعية في جنوب لبنان بنحو 22.5% من إجمالي المساحة، أي ما يعادل 56,264 هكتاراً، وتشمل هذه الأضرار المزارع والبيوت البلاستيكية. هذه المساحات الشاسعة المتضررة تعكس مدى التأثير المباشر للعمليات العسكرية على البنية التحتية الزراعية، وتُبرز حجم التحدي الذي يواجه جهود التعافي وإعادة الإعمار في المنطقة. وتشير التقديرات إلى أن المحاصيل الأكثر تضرراً في المنطقة تشمل الموز بنسبة 95%، وأشجار الحمضيات بنسبة 97%، والزيتون بنسبة 91%. كما تضررت الزراعات الصغيرة التي تشكل 80% من إجمالي المساحة الزراعية في لبنان بشكل كبير، مما يؤثر على تنوع الإنتاج الزراعي وقدرة صغار المزارعين على الاستمرار. هذه الأضرار الواسعة النطاق تهدد بشكل مباشر سبل عيش الآلاف من الأسر اللبنانية التي تعتمد على هذه المحاصيل كمصدر دخل رئيسي، وتُفاقم من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية القائمة في البلاد.

يُعد جنوب لبنان مصدراً رئيسياً للعديد من المحاصيل الزراعية الحيوية للبلاد، حيث ينتج 70% من إجمالي الحمضيات و90% من إجمالي الموز. هذا الاعتماد الكبير على المنطقة يجعل تضررها ذا تداعيات وطنية واسعة على الإمدادات الغذائية، مما يزيد من الضغوط على الأمن الغذائي العام في لبنان. وقد تضاعفت الخسائر الزراعية منذ التصعيد الذي بدأ في 2 مارس، لتصل إلى حوالي 1.5 مليار دولار أمريكي، مما يمثل عبئاً اقتصادياً هائلاً على القطاع الزراعي والدولة ككل. وتجاوز إجمالي الأضرار الناجمة عن الحرب في القطاعات المختلفة 20 مليار دولار أمريكي، مما يسلط الضوء على الكلفة الاقتصادية الباهظة لهذه الأعمال العدائية. هذه الخسائر لا تقتصر على الإنتاج الحالي، بل تمتد لتشمل البنية التحتية الزراعية والقدرة الإنتاجية المستقبلية للمنطقة، مما يستدعي خططاً شاملة وطويلة الأمد لإعادة تأهيل القطاع.

نزوح المزارعين وخسائر الثروة الحيوانية

اضطر المزارعون إلى مغادرة أراضيهم ومنازلهم في جنوب لبنان، وذلك بموجب أوامر الإخلاء الإسرائيلية التي صدرت في أوائل شهر مارس. وقد أثر هذا النزوح بشكل مباشر على العمليات الزراعية، مما أدى إلى تدهور الأنشطة الإنتاجية في المنطقة. هذا النزوح الجماعي أفرغ الحقول من الأيدي العاملة، وترك المحاصيل دون رعاية، مما أدى إلى تلفها وانخفاض كبير في الإنتاج. هذه الأوضاع أدت إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية للمجتمعات المحلية، حيث فقد العديد من المزارعين مصدر رزقهم الوحيد، مما دفعهم إلى البحث عن بدائل معيشية في مناطق أخرى.

تسببت الأزمة المستمرة في خسائر كبيرة في الثروة الحيوانية والسمكية، حيث فُقد أكثر من 1.8 مليون رأس من الماشية، بما في ذلك الأبقار والماعز والأغنام والدواجن. هذه الخسائر الفادحة تؤثر بشكل مباشر على البروتين الحيواني المتاح للسكان وعلى سبل عيش العديد من الأسر التي تعتمد على تربية المواشي. كما امتدت الخسائر لتشمل 29,121 خلية نحل، وهو ما يؤثر على إنتاج العسل وعلى عملية تلقيح المحاصيل الزراعية التي تعتمد على النحل، مما يُهدد التوازن البيئي والإنتاج الزراعي على المدى الطويل. فُقد 2,030 طناً من الأسماك، مما يضر بالصيد البحري والنهري الذي يمثل مصدراً غذائياً واقتصادياً مهماً للمجتمعات الساحلية والنهرية. هذه الأرقام تعكس حجم الضرر الذي لحق بالقطاع الزراعي والثروة الحيوانية في المنطقة، مما يزيد من التحديات المتعلقة بالأمن الغذائي والاقتصادي.

تداعيات على الأمن الغذائي والاقتصاد

تسببت الأنشطة العسكرية الإسرائيلية في نزوح ما يقرب من 80% من المزارعين في جنوب لبنان، وهو ما يعادل أكثر من 6,593 مزارعاً، الذين أصبحوا غير قادرين على الوصول إلى أراضيهم. هذا الوضع فاقم الأزمة الإنسانية، حيث يحتاج 24% من سكان لبنان إلى مساعدة فورية لتلبية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والمأوى والرعاية الصحية. يعكس هذا الرقم تدهوراً حاداً في الظروف المعيشية لنسبة كبيرة من السكان، ويزيد من العبء على المنظمات الإنسانية والحكومة اللبنانية لتوفير الدعم اللازم.

وتشير التقديرات إلى أن 1.24 مليون شخص كانوا متوقعين أن يواجهوا انعدام الأمن الغذائي بين شهري أبريل وأغسطس من عام 2026، مما يدل على استمرار وتفاقم الأزمة الغذائية على المدى المتوسط. فيما كان حوالي 874,000 شخص قد عانوا من انعدام حاد للأمن الغذائي بين نوفمبر 2025 ومارس 2026، مما يؤكد على الحاجة الملحة للتدخلات الإنسانية والإغاثية. هذه الأرقام تسلط الضوء على هشاشة الوضع الغذائي في البلاد، وتأثيره المباشر على حياة مئات الآلاف من اللبنانيين، وتُبرز الحاجة إلى استراتيجيات مستدامة لتعزيز الأمن الغذائي.

على الصعيد الاقتصادي، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 8.4% خلال الربع الأول من عام 2026، مما يزيد من الأعباء المالية على الأسر اللبنانية، خاصة تلك ذات الدخل المحدود. هذا الارتفاع في الأسعار يقلل من القوة الشرائية للسكان ويجعل الوصول إلى الغذاء الأساسي أكثر صعوبة. كما شهدت تكاليف النقل زيادة بنسبة 21% في الفترة ذاتها من عام 2026، مما يزيد من الأعباء المالية على السكان ويؤثر على سلاسل الإمداد، ويزيد من تكلفة وصول السلع إلى المستهلكين. هذه الزيادات في التكاليف تؤثر على جميع القطاعات الاقتصادية وتزيد من الضغوط التضخمية، مما يعمق الأزمة الاقتصادية التي يواجهها لبنان.

اتهامات باستخدام أسلحة محظورة

اتهمت لبنان ومنظمات حقوق دولية إسرائيل باستخدام غير قانوني للفسفور الأبيض ومبيد الأعشاب الغلايفوسات خلال هجماتها على جنوب لبنان. وتُشير هذه الاتهامات إلى أن القوات الإسرائيلية استخدمت هذه المواد المحظورة في مناطق زراعية وسكنية، مما قد يسبب أضراراً بيئية وصحية طويلة الأمد. استخدام الفسفور الأبيض، وهو مادة حارقة، يثير مخاوف جدية بشأن إصابات المدنيين وتدمير الممتلكات والبنية التحتية، فضلاً عن تلويث التربة والمياه، مما يجعل الأراضي غير صالحة للزراعة لفترات طويلة. أما الغلايفوسات، وهو مبيد أعشاب قوي، فقد يؤدي استخدامه العسكري إلى تدمير المحاصيل والنباتات بشكل متعمد، مما يفاقم من الأضرار الزراعية ويهدد التنوع البيولوجي في المنطقة، ويُلحق ضرراً بالغاً بالأنظمة البيئية الحساسة.

وقد أثارت هذه الادعاءات مخاوف جدية بشأن انتهاكات محتملة للقانون الدولي الإنساني، خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، التي تتطلب تجنب استخدام أسلحة عشوائية أو تلك التي تسبب أضراراً غير متناسبة. وتطالب المنظمات الدولية بإجراء تحقيقات مستقلة لتقصي الحقائق والتحقق من صحة هذه المزاعم وتحديد مدى تأثيرها على السكان والبيئة في المنطقة المتضررة. هذه التحقيقات ضرورية لضمان المساءلة وتقديم العدالة للضحايا، ولتجنب تكرار مثل هذه الممارسات في المستقبل، وللعمل على حماية المدنيين والممتلكات المدنية وفقاً للقوانين الدولية.