اقتراحات ترامب بشأن حزب الله تثير قلق لبنان وسوريا

U.S. President Donald Trump’s repeated suggestions that Syria’s new leader, Ahmad Sharaa, can better curb Iran-backed Hezbollah than Israel have alarmed Lebanon and Syria. Photo by Aaron Schwartz/UPI
الصورة: Aaron Schwartz/UPI عبر News

أثارت اقتراحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب المتكررة بأن الزعيم السوري الجديد، أحمد الشرع، يمكنه "التعامل مع حزب الله" بشكل أفضل من إسرائيل، قلقاً في كل من لبنان وسوريا. وقد وردت هذه الاقتراحات مرتين هذا الشهر، حيث أشار ترامب إلى أن الشرع سيقوم بـ"عمل أفضل" في كبح جماح حزب الله المدعوم من إيران. وقد جاءت هذه الاقتراحات في سياق يبرز فيه توترات إقليمية معقدة ودور الفاعلين الدوليين في صياغة مستقبل المنطقة، مما يضع ضغوطاً إضافية على العلاقات الدبلوماسية والأمنية في المنطقة.

ورفض الشرع هذه الاقتراحات، معرباً عن عدم رغبته في نشر قواته العسكرية ضد حزب الله. وبدلاً من المواجهة العسكرية، يفضل الشرع البحث عن حلول سياسية سلمية والتعاون الاقتصادي مع لبنان. وقد وصف الشرع الوضع بأنه "الجرح الكبير" في إشارة إلى القضايا المعقدة في المنطقة، مشدداً على أن الأولوية تكمن في معالجة هذه القضايا عبر السبل الدبلوماسية والاقتصادية بدلاً من التصعيد العسكري، مؤكداً بذلك على نهجه الذي يميل إلى التهدئة وتجنب المزيد من الصراعات التي قد تزعزع استقرار المنطقة.

خلفية الصراع مع حزب الله وتطوراته

تطور حزب الله ليصبح أقوى جماعة مسلحة في المنطقة على مدار أكثر من 40 عامًا من التمويل والدعم العسكري الإيراني المستمر. هذا الدعم مكّن الجماعة من بناء ترسانة عسكرية ضخمة ونفوذ سياسي واجتماعي كبير في لبنان، مما جعلها لاعباً رئيسياً في المشهد الإقليمي، قادرة على التأثير في قرارات الدولة اللبنانية وفي ميزان القوى الإقليمي. وقد دعت إسرائيل باستمرار إلى تجريد حزب الله من أسلحته منذ أن فتح جبهة دعمًا لغزة في أكتوبر 2023. هذا التصعيد على الجبهة الشمالية لإسرائيل أثار مخاوف من اتساع نطاق الصراع في المنطقة، مما يزيد من تعقيد الجهود الدبلوماسية الرامية لتحقيق الاستقرار.

ردت إسرائيل بقوة على هذه التطورات، ووجهت ضربات كبيرة لحزب الله، شملت القضاء على قيادته العليا وتدهورًا حادًا في بنيته التحتية العسكرية. هذه الضربات كانت تهدف إلى إضعاف قدرات الجماعة وتقليل تهديدها على الحدود الإسرائيلية، في محاولة لردع أي تصعيد مستقبلي. ومع ذلك، استأنف حزب الله القتال في مارس بعد إعادة بناء صفوفه، مما يشير إلى قدرته على التعافي وإعادة تنظيم قواته على الرغم من الضربات التي تلقاها، مؤكداً على مرونته وقدرته على الاستمرار في مواجهة التحديات العسكرية.

كان بشار الأسد حليفًا رئيسيًا لحزب الله، حيث ارتبط النظام السوري بالجماعة بعلاقات استراتيجية طويلة الأمد، مما سمح للحزب بالعمل بحرية نسبية عبر الحدود السورية اللبنانية. ويُكن السوريون ضغائن عميقة ضد حزب الله وراعيه، إيران، بسبب وقوفهما إلى جانب نظام الأسد وانضمامهما إلى معارك وحشية ضد مقاتلي المعارضة بدءًا من عام 2012. هذه المشاركة العسكرية لحزب الله وإيران في الصراع السوري تركت آثاراً سلبية عميقة على الرأي العام السوري وزادت من تعقيد العلاقات الإقليمية، حيث يرى الكثيرون أن تدخلهما أطال أمد الصراع وزاد من معاناة الشعب السوري.

يشكل ترسانة حزب الله مصدر قلق كبير للحكومة اللبنانية، التي بدأت منذ أغسطس الماضي في اتخاذ إجراءات جريئة لاحتواء الجماعة ونزع سلاحها وإعلان أنشطتها العسكرية والأمنية غير قانونية. هذه الخطوات تعكس رغبة الحكومة اللبنانية في بسط سيادتها على كامل أراضيها والحد من نفوذ الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، في محاولة لاستعادة الاستقرار وتعزيز سلطة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية، وإنهاء حالة الازدواجية في السيطرة الأمنية.

موقف القيادة السورية الجديدة وتطلعاتها الإقليمية

سعى أحمد الشرع، منذ توليه السلطة في سوريا في ديسمبر 2024، بعد أن أطاحت قواته الإسلامية بالرئيس السوري بشار الأسد الذي حكم البلاد لفترة طويلة، إلى طمأنة لبنان بأنه لن يتدخل في شؤونه الداخلية. تأتي هذه الطمأنة في سياق محاولات النظام السوري الجديد لإعادة ضبط علاقاته الإقليمية بعد سنوات من العزلة والاضطراب الذي شهدته سوريا. وقد أكد الشرع أن أولويته هي الاستقرار الداخلي والتعاون الإقليمي، بعيداً عن سياسات التدخل التي ربما كانت سائدة في السابق. ويعكس هذا الموقف رغبة القيادة السورية في بناء الثقة مع جيرانها، خاصة لبنان، الذي تربطه بسوريا علاقات تاريخية معقدة ومتشابكة، ويأمل الشرع في فتح صفحة جديدة من التعاون البناء.

في هذا الصدد، أشار ديفيد وود، المحلل السياسي، إلى أن الشرع يسعى لتقليل احتمالات التوترات الطائفية بين السنة والشيعة في المنطقة. وأوضح وود أن القيادة السورية الجديدة تعتمد بشكل كبير على تركيا والمملكة العربية السعودية، في محاولة لتشكيل تحالفات جديدة وتأمين الدعم اللازم لإعادة بناء سوريا. وشدد وود على أن "لا أحد في المنطقة يريد تصعيداً آخر للعنف الطائفي"، مؤكداً على أهمية "تجنب السير في هذا المسار". وأضاف وود أن "حزب الله أثبت خلال هذه الحرب قيمته لإيران كأصل استراتيجي بجوار إسرائيل من خلال مواصلة القتال والبقاء... حتى لو لم يكن قوياً كما كان قبل ثلاث سنوات"، مشيراً إلى الدور المستمر للجماعة كأداة إيرانية في المنطقة، مما يؤكد على أهمية موقعه الجيوسياسي بالنسبة لطهران.

جهود أمريكية ولبنانية لاحتواء حزب الله

أعرب الشرع مؤخرًا عن استعداده للجلوس مع جماعة حزب الله إذا كان ذلك يخدم مصالح البلدين، في إشارة إلى انفتاح محتمل على الحوار مع الفصيل المسلح. وقد جاء هذا الموقف في ظل جهود دولية وإقليمية أوسع لمعالجة نفوذ حزب الله في لبنان. وفي سياق هذه الجهود، تم تكليف توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص لسوريا والعراق، في منتصف عام 2025 بلقاء القادة اللبنانيين. وتهدف مهمة باراك إلى دفع خارطة طريق صاغتها الولايات المتحدة لنزع السلاح التدريجي والكامل لحزب الله، مما يعكس التزام واشنطن بمعالجة التحديات الأمنية في المنطقة ودعم سيادة لبنان، ويؤكد على أهمية الدور الأمريكي في تحقيق الاستقرار الإقليمي.

تأتي هذه المبادرات في وقت لا يزال فيه لبنان يتأثر بإرث الوجود العسكري السوري الذي استمر لعقود، والذي بدأ في عام 1976. وقد ترك هذا الوجود، الذي كان له تأثير كبير على الشؤون الداخلية اللبنانية، تركة معقدة من العلاقات السياسية والأمنية بين البلدين، مما أثر على التوازنات الطائفية والسياسية في لبنان. وفي خطوة مهمة نحو استعادة السيادة اللبنانية، قامت سوريا بسحب قواتها بالكامل من لبنان في عام 2005، بعد ضغوط دولية ومحلية مكثفة. ويعكس هذا الانسحاب نقطة تحول في تاريخ العلاقات اللبنانية السورية، وفتح الباب أمام لبنان لتعزيز استقلاله واتخاذ خطوات نحو معالجة القضايا الأمنية الداخلية، بما في ذلك التحدي الذي يمثله حزب الله، والسعي نحو بناء دولة قوية ذات سيادة كاملة.

تداعيات وتوقعات مستقبلية

تأتي هذه التطورات في ظل إحباط الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من تأخر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إنهاء الحرب في لبنان، ورغبته في إبرام اتفاق مع إيران. وقد لجأ ترامب إلى أحمد الشرع، مقترحًا عليه أن "يتعامل مع حزب الله"، ومؤكدًا أنه سيقوم بـ"عمل أفضل" في هذا الصدد. ويعكس هذا التوجه رغبة ترامب في إيجاد حلول بديلة للصراعات الإقليمية، وربما استكشاف مسارات غير تقليدية لتحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة، بعيداً عن الطرق الدبلوماسية التقليدية.

تولى أحمد الشرع السلطة في ديسمبر 2024، عندما أطاحت قواته الإسلامية بالرئيس السوري بشار الأسد، الذي حكم البلاد لفترة طويلة. وتُشكل هذه القيادة الجديدة نقطة تحول في المشهد السياسي السوري، مع تداعيات محتملة على الديناميكيات الإقليمية، حيث بدأت سوريا في إعادة تشكيل تحالفاتها وعلاقاتها الدولية. وكان الشرع قد وصف الوضع بأنه "الجرح الكبير" في إشارة إلى تعقيدات المنطقة، مؤكداً على حجم التحديات التي تواجه سوريا والمنطقة ككل، والتي تتطلب مقاربات شاملة لمعالجتها.

يُذكر أن الاحتجاجات السلمية ضد نظام الأسد بدأت في عام 2011، وتصاعدت لاحقًا إلى حرب أهلية دامية، مما أدى إلى سنوات من عدم الاستقرار والصراع في سوريا، وتسبب في أزمة إنسانية كبرى أثرت على الملايين من السوريين وأدت إلى نزوح واسع النطاق. ويسعى الشرع حاليًا إلى إعادة تشكيل علاقات سوريا الإقليمية والدولية بعد هذه الفترة المضطربة، في محاولة لاستعادة مكانة سوريا وإنهاء عزلتها، مع التركيز على الاستقرار والتنمية، وبناء مستقبل أفضل للشعب السوري بعد سنوات من الحرب والدمار.