أُعلن عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، يوم الثلاثاء، بعد محادثات بوساطة أمريكية مكثفة. يهدف الاتفاق إلى إنهاء الصراع الذي يقترب من شهره الثالث، والذي شهد تصعيداً كبيراً على الحدود بين البلدين وتسبب في خسائر بشرية ومادية جسيمة. المحادثات التي جرت بين الجانبين، تحت رعاية الولايات المتحدة، أسفرت عن تفاهمات لوقف الأعمال العدائية المستمرة التي كادت أن تدفع المنطقة إلى صراع أوسع نطاقاً. يأتي هذا الاتفاق في وقت حرج، حيث تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية لوقف التصعيد وضمان الاستقرار.
آفاق السلام الهشة للاتفاق
ينص الاتفاق على عدم السماح لأي طرف، سواء كان دولة أو غير دولة، باحتجاز لبنان رهينة، في إشارة ضمنية واضحة إلى طهران وحزب الله. هذا البند يعكس قلقاً دولياً متزايداً بشأن النفوذ الخارجي على القرار السيادي اللبناني. يهدف الاتفاق بشكل أوسع إلى تمهيد الطريق لتسوية أمنية وسلمية شاملة في المنطقة، مع توفير الدعم للبنان لإنهاء التدخل الإيراني في شؤونه الداخلية والخارجية. من بين بنود الاتفاق الرئيسية، إنشاء مناطق أمنية تجريبية تهدف إلى إقامة مناطق خالية من وجود حزب الله في مناطق محددة، بهدف تقليل الاحتكاك على الحدود وضمان أمن المدنيين. ومع ذلك، يواجه هذا الطموح تحديات كبيرة، حيث يفتقر لبنان إلى الأدوات والموارد المؤسسية اللازمة لإنفاذ الاتفاق بشكل فعال على أرض الواقع، مما يثير تساؤلات حول قدرته على فرض سيادته الكاملة.
يُعدّ مبلغ الـ230 مليون دولار كحزمة مالية مقترحة جزءاً من الجهود الدولية لدعم لبنان، إلا أنها تُعتبر غير كافية على الإطلاق لتأسيس سيطرة الدولة اللبنانية على حزب الله أو لتمكينه من فرض نزع سلاحه. في هذا السياق، صرح البروفيسور حاتم صادق بأن "إنهاء دائرة سفك الدماء والدمار في لبنان لا ينبغي اعتباره تنازلاً لإيران، بل وسيلة لحرمان طهران من أحد أصولها التفاوضية الأكثر قيمة". يُنظر إلى إنهاء هذه الدورة من العنف والدمار في لبنان كوسيلة لحرمان طهران من أحد أهم أوراقها التفاوضية في مواجهاتها الإقليمية والدولية. هذا التقييم يعكس رؤية مفادها أن استقرار لبنان يخدم مصالح أوسع تتجاوز حدود البلدين المتنازعين.
دور حزب الله ونفوذ إيران
ظل حزب الله بمنأى عن نزع السلاح الفعال على الرغم من الجهود الدولية والمحلية المبذولة سابقاً، مثل اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 1701 الذي صدر بعد حرب يوليو 2006. هذه الجهود لم تؤدِ إلى تغيير جوهري في وضعه العسكري، مما سمح له بالاحتفاظ بقدراته التشغيلية في لبنان كقوة مسلحة موازية للدولة. يُنظر إلى هذا الوضع على أنه تحدٍ مستمر لسيادة الدولة اللبنانية وقدرتها على بسط سيطرتها الكاملة على أراضيها ومؤسساتها الأمنية.
ترى إيران في حزب الله ورقة مساومة حاسمة في مفاوضاتها مع واشنطن والقوى الغربية الأخرى بشأن برامجها النووية والإقليمية. هذا المنظور يربط بشكل مباشر مستقبل الحزب ودوره في المنطقة بالأجندة الإيرانية الأوسع، مما يجعل من الصعب فصل نفوذ طهران عن القرارات الاستراتيجية لحزب الله. يعزز هذا الارتباط من تعقيد أي محاولات دولية للحد من دور حزب الله أو إعادة دمجه ضمن الهيكل الأمني اللبناني الرسمي، حيث تعتبر طهران الحزب عنصراً أساسياً في استراتيجيتها الإقليمية.
في الآونة الأخيرة، ظهرت تقارير عن وقوع اشتباكات بين سكان القرى الجنوبية وعناصر حزب الله، مما يشير إلى توترات متزايدة داخل المجتمعات التي يُفترض أن الحزب يحظى فيها بدعم واسع. هذه التقارير تشير إلى تصاعد التوترات الداخلية بين السكان المحليين وبين الحزب، مما يعكس تحديات جديدة تواجه نفوذ حزب الله داخل البيئة اللبنانية. قد تكون هذه الاشتباكات مؤشراً على استياء متزايد أو تباين في المصالح بين بعض المجتمعات المحلية والحزب، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وتداعيات الصراع الأخير.
تُجري إسرائيل عمليات مستهدفة وانتقائية ضد حزب الله بصفته جهة مسلحة غير تابعة لدولة، وتعتبره تهديداً مباشراً لأمنها القومي. هذه العمليات تعكس استراتيجية إسرائيلية للتعامل مع حزب الله كتهديد أمني مباشر، وتؤكد على أن إسرائيل لا تعتبره جزءاً من القوات المسلحة اللبنانية الرسمية أو كياناً يمكن التعامل معه ضمن إطار الدولة. هذا النهج يساهم في ديناميكية الصراع المستمرة ويؤثر على الاستقرار الإقليمي، حيث تتجنب إسرائيل في كثير من الأحيان استهداف البنية التحتية اللبنانية الرسمية مع التركيز على أهداف حزب الله.
الحسابات السياسية الإسرائيلية
يرى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على الأرجح أن استمرار الصراع ضروري لبقائه السياسي قبل الانتخابات المستقبلية، خاصة في ظل التحديات الداخلية التي يواجهها. يواجه نتنياهو ضغوطاً داخلية قد تدفع به للاعتماد على استمرار التوترات كجزء من استراتيجيته للبقاء في السلطة، مما يعقد مساعي التهدئة الشاملة.
يؤكد العديد من القادة العسكريين الإسرائيليين أن أياً من الجبهات التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر 2023 لم تُحل بشكل حاسم، مما يشير إلى استمرار التهديدات على عدة جبهات. هذا التقييم يعكس تحدياً استراتيجياً لإسرائيل في إدارة الصراعات المتعددة التي تواجهها، ويبرز الحاجة إلى حلول طويلة الأمد بدلاً من الهدنات المؤقتة.
تدهورت العلاقات بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وفقاً للتقارير إلى حد تبادل الاتهامات الشخصية ونكران الجميل، مما قد يؤثر على الدعم الأمريكي لإسرائيل في المستقبل. هذا التوتر بين حليفين سابقين قد يؤثر على الديناميكيات الإقليمية والدعم الدولي لإسرائيل، خاصة إذا عاد ترامب إلى سدة الحكم.
تواصل القوات المسلحة الإسرائيلية تحمل عبء العمليات عبر جبهات متعددة ظلت نشطة منذ أكتوبر 2023، بما في ذلك غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية. هذا الوضع يضع ضغطاً كبيراً على الموارد العسكرية والبشرية لإسرائيل في ظل استمرار المواجهات، ويجعل التوصل إلى هدنة مستدامة أمراً حيوياً لتخفيف هذا العبء.
تحديات الإدارة الأمريكية والملف الإيراني
يواجه الرئيس دونالد ترامب تحديات متزايدة بشأن الملف الإيراني، ويبحث عن انتصار بديل ضمن جدول زمني سياسي ضيق، حسبما تشير التقارير. لا يستطيع ترامب تحمل صفقة قد تبدو ضعيفة أو تشبه نسخة معاد تسميتها من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما، وفقًا لمصادر مطلعة على المحادثات، مما يفرض عليه ضرورة تحقيق نتائج ملموسة. في المقابل، تشمل استراتيجية إيران إطالة أمد المفاوضات وزيادة نفوذها إلى أقصى حد لانتزاع تنازلات من الجانب الأمريكي، مما يزيد من تعقيد الجهود الأمريكية للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف. هذا الوضع يضع ضغوطًا كبيرة على الإدارة الأمريكية لإيجاد مخرج يحقق أهدافها دون الظهور بموقف ضعيف أو تقديم تنازلات كبيرة لإيران، مع الأخذ في الاعتبار مصالح حلفائها الإقليميين.