هدنة هشة: تصاعد الهجمات يهدد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله

Smoke rises from an Israeli strike in southern Lebanon as seen from Marjayoun
الصورة: Karamallah Daher/Reuters عبر News

بدأ وقف إطلاق النار في لبنان رسمياً في 16 أبريل 2026، بعد ستة أسابيع من القتال العنيف بين إسرائيل وحزب الله، إثر بدء إسرائيل حربها على لبنان في 2 مارس 2026. لكن الهدنة تواجه تهديداً متزايداً مع تصاعد الهجمات المتبادلة، مما يثير مخاوف جدية بشأن استقرار الوضع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. هذه التطورات الأخيرة تعكس هشاشة الاتفاق وتؤكد على التوترات المستمرة التي لم يتم حلها بشكل كامل.

في وقت مبكر من يوم الاثنين، 11 مايو 2026، أعلن حزب الله تنفيذه 24 هجوماً استهدفت مواقع للجيش الإسرائيلي وجنود ومركبات عسكرية في جنوب لبنان خلال الـ 24 ساعة الماضية. وقد شملت هذه الهجمات استخدام طائرات مسيرة مفخخة ورشقات صاروخية وقصفاً مدفعياً وصواريخ موجهة، مما يدل على تنوع القدرات الهجومية للحزب. تأتي هذه الهجمات في سياق تصعيد مستمر، حيث تتزايد المخاوف من أن يؤدي أي خطأ في التقدير إلى حرب شاملة.

من جانبه، ذكر الجيش الإسرائيلي أنه اعترض "هدفاً جوياً مشبوهاً" في جنوب لبنان يوم الاثنين 11 مايو 2026، في إشارة إلى استمرار محاولات الاختراق الجوي. وفي نفس اليوم، أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة ثلاثة جنود بانفجار طائرة مسيرة مفخخة في جنوب لبنان، مما يسلط الضوء على فعالية التكتيكات الجديدة التي يستخدمها حزب الله. وكانت إسرائيل قد أعلنت في وقت سابق مقتل جندي إسرائيلي جراء طائرة مسيرة أطلقها حزب الله قرب الحدود اللبنانية، مما يشير إلى تصاعد كبير في الاشتباكات وتكثيف الهجمات التي تستهدف القوات الإسرائيلية.

تدهور الوضع الإنساني والمدني

منذ بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان في الثاني من مارس/آذار 2026، قُتل ما لا يقل عن 2,846 شخصًا ونزح أكثر من مليون آخرين، وفقًا للإحصائيات الرسمية. هذه الأرقام المفزعة تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يواجهها لبنان، حيث تتفاقم الأوضاع المعيشية للسكان المدنيين. وقد تسببت الهجمات المستمرة في تدمير البنى التحتية ونزوح جماعي للسكان من مناطقهم الأصلية.

وأفادت وزارة الصحة اللبنانية يوم الأحد، العاشر من مايو/أيار 2026، بأن الهجمات الإسرائيلية في جميع أنحاء البلاد أسفرت عن مقتل 51 شخصًا، من بينهم اثنان من العاملين في المجال الطبي، مما يبرز استهداف المدنيين والعاملين في خطوط الدفاع الإنسانية. وأوضحت وزارة الصحة اللبنانية أن "العدو الإسرائيلي يواصل خرق القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، مضيفًا المزيد من الجرائم بحق المسعفين، حيث استهدف بشكل مباشر نقطتين للهيئة الصحية في القلاوية وتبنين، قضاء بنت جبيل، في غارتين." هذا الاستهداف المباشر للمنشآت الطبية والعاملين فيها يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني ويزيد من معاناة السكان الذين هم في أمس الحاجة للرعاية الطبية.

وذكرت الأمم المتحدة أنه منذ بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان في الثاني من مارس/آذار 2026، قُتل ما لا يقل عن 103 من العاملين في المجال الطبي اللبنانيين وأصيب 230 آخرون، مما يعرقل بشكل كبير جهود الإغاثة وتقديم الخدمات الصحية. كما أشارت الأمم المتحدة إلى وقوع أكثر من 130 ضربة إسرائيلية استهدفت الطواقم الطبية في لبنان، مما يدل على نمط مقلق من الاستهداف للمؤسسات الطبية والعاملين فيها.

وفي يوم الاثنين، الحادي عشر من مايو/أيار 2026، أدت غارة جوية إسرائيلية على بلدة عبا إلى مقتل شخصين وإصابة خمسة آخرين، بحسب ما ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية (NNA). هذه الغارة هي جزء من سلسلة الهجمات التي تستهدف المناطق المدنية، مما يزيد من حالة الرعب والخوف بين السكان. وأضافت الوكالة الوطنية للإعلام أن الطيران الحربي جدد غاراته على بلدة كفر رمان للمرة الثانية في أقل من ساعة يوم الاثنين، الحادي عشر من مايو/أيار 2026، مما يشير إلى تكثيف القصف الجوي على المناطق الجنوبية.

وقد أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرًا جديدًا لسكان تسع مناطق في جنوب لبنان لإخلائها قبل الضربات الإسرائيلية المحتملة، مما يؤدي إلى موجات جديدة من النزوح ويزيد من الضغط على البنية التحتية والموارد المحدودة في المناطق المضيفة. يُذكر أن ما لا يقل عن 3,768 لبنانيًا قُتلوا ونزح 1.2 مليون آخرين في الهجمات الإسرائيلية التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، مما يوضح أن الأزمة الإنسانية ليست وليدة اللحظة بل هي امتداد لصراع طويل الأمد. وشهد الأسبوع الماضي قصف إسرائيل للضواحي الجنوبية لبيروت للمرة الأولى منذ بدء وقف إطلاق النار، مما يمثل تصعيداً خطيراً يهدد بتوسيع نطاق الصراع ليشمل مناطق أبعد عن الحدود.

تكتيكات حزب الله والهجمات المتبادلة

أعلن حزب الله أنه استخدم طائرات مسيرة مفخخة ورشقات صاروخية وقصفاً مدفعياً وصواريخ موجهة في هجماته الأخيرة، مما يعكس تطوراً في قدراته العسكرية وتكتيكاته الميدانية. وتواجه هذه الهجمات تصعيداً في المواجهة المستمرة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، حيث يسعى الطرفان إلى فرض سيطرتهما وتوجيه رسائل ردع.

وذكرت صحيفة جيروزاليم بوست (The Jerusalem Post) أن حزب الله يستخدم حالياً أليافاً بصرية لتوجيه طائرات مسيرة من طراز FPV، وذلك بهدف التحايل على أجهزة التشويش اللاسلكية الإسرائيلية. وقد أشارت الصحيفة إلى أن هذه التكتيكات الجديدة تزيد من تعقيد جهود إسرائيل لمواجهة الهجمات الجوية، وتتطلب من الجيش الإسرائيلي تطوير تقنيات دفاعية جديدة لمواجهة هذا التهديد المتطور.

وفي سياق متصل، أشارت صحيفة جيروزاليم بوست (The Jerusalem Post) إلى أن حزب الله نشر مقطع فيديو يوم الأحد يظهر طائرة مسيرة من طراز FPV وهي تصيب بطارية القبة الحديدية على الحدود الشمالية، مما يثير تساؤلات حول فعالية أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية في مواجهة هذه الطائرات المسيرة الموجهة. ويأتي هذا الإعلان في ظل تزايد وتيرة الهجمات المتبادلة بين الطرفين، مما يؤجج المخاوف من تصعيد أوسع. وقد تصاعد القتال في أكتوبر 2023 بعد أن أطلق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل تضامناً مع الفلسطينيين في غزة، مما ربط الجبهة اللبنانية بالصراع الأوسع في المنطقة. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف الاشتباكات بشكل كامل، بل شهدت فترات من التصعيد والهدوء النسبي، مما يعكس طبيعة الصراع المتقطعة والمستمرة.

وتشير التقارير إلى أن استخدام الطائرات المسيرة الموجهة بالألياف البصرية يمثل تطوراً في القدرات التكتيكية لحزب الله، مما يفرض تحديات جديدة على الدفاعات الجوية الإسرائيلية التي تعتمد بشكل كبير على التشويش اللاسلكي. وتعمل إسرائيل على تطوير استراتيجيات مضادة لمواجهة هذه التهديدات المتغيرة، بما في ذلك تحسين أنظمتها الدفاعية وتطوير تقنيات جديدة للكشف عن الطائرات المسيرة وتحييدها. يذكر أن المواجهة بين الجانبين أدت إلى استمرار حالة التأهب القصوى على طول الحدود، مع تحذيرات متكررة من احتمال اتساع نطاق الصراع ليشمل مناطق أوسع، مما يهدد الاستقرار الإقليمي.

خلفية تاريخية للنزاع والهدن

أفاد الجيش اللبناني بوقوع عدة انتهاكات من قبل القوات الإسرائيلية في اليوم التالي لبدء وقف إطلاق النار الأخير في 16 أبريل 2026، مما يشير إلى أن الهدنة لم تكن فعالة بشكل كامل منذ بدايتها. ويشار إلى أن وقف إطلاق نار سابق كان سارياً على ما يبدو منذ 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مما يوضح أن المنطقة شهدت عدة محاولات لوقف إطلاق النار لم تدم طويلاً. ومنذ ذلك التاريخ، أحصت الأمم المتحدة أكثر من 10,000 انتهاك إسرائيلي لوقف إطلاق النار ومئات الوفيات اللبنانية، مما يؤكد على استمرار التوتر وعدم الالتزام الكامل بالاتفاقيات.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، صرحت الحكومة اللبنانية بأنها كانت على وشك إنهاء المرحلة الأولى من نزع سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني قبل الموعد النهائي المحدد بنهاية العام، وذلك كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024 مع إسرائيل. هذا الاتفاق كان يهدف إلى إنشاء منطقة عازلة ونزع سلاح حزب الله من المنطقة الحدودية، لكن التنفيذ واجه تحديات كبيرة.

وفي بداية النزاع الأخير، حظرت الحكومة اللبنانية الجناح العسكري لحزب الله، في محاولة للسيطرة على الوضع وتخفيف التوترات. ومع ذلك، في يناير/كانون الثاني 2025، ذكرت إسرائيل أن حزب الله لا يزال له وجود بالقرب من الحدود ويعيد بناء قدراته العسكرية بوتيرة أسرع مما يفككها الجيش اللبناني، مما يشير إلى استمرار التحديات الأمنية على الرغم من الجهود المبذولة.

مساعي السلام والمفاوضات الأمريكية

أكدت إسرائيل مراراً للحكومة اللبنانية أنه يجب نزع سلاح حزب الله لكي يستمر أي وقف لإطلاق نار، معتبرة ذلك شرطاً أساسياً لأي تسوية دائمة. في المقابل، صرح حزب الله بأن إسرائيل بحاجة إلى الانسحاب من جنوب لبنان، وهو ما كان جزءاً من اتفاق وقف إطلاق النار المتفق عليه في عام 2024، مما يبرز التباين في المواقف بين الطرفين.

وفي هذا السياق، تخطط وزارة الخارجية الأمريكية لإجراء محادثات مكثفة لمدة يومين بين حكومتي إسرائيل ولبنان يومي 14 و 15 مايو 2026. هذه المفاوضات تهدف إلى إيجاد حلول دبلوماسية للتوترات المتصاعدة. وصرحت وزارة الخارجية الأمريكية أن "المفاوضات في واشنطن العاصمة ستدفع قدماً باتفاق سلام وأمن شامل يعالج بشكل جوهري المخاوف الأساسية لكلا البلدين"، مما يعكس طموح الولايات المتحدة في تحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة.

وفي خطوة سبقت هذه المفاوضات، استقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في 8 مايو 2026 السفير السابق سيمون كرم، الذي يقود الوفد اللبناني للمحادثات، مما يدل على جدية لبنان في الانخراط في العملية الدبلوماسية. ومن الجدير بالذكر أن حزب الله لن يتم إدراجه في هذه المحادثات، وقد احتج على عقدها، مما يثير تساؤلات حول مدى فعالية أي اتفاق يتم التوصل إليه دون مشاركة أحد الأطراف الرئيسية في الصراع. هذا الرفض من قبل حزب الله يعكس تعقيد المشهد السياسي والأمني في لبنان، حيث يمتلك الحزب نفوذاً كبيراً ويؤثر على القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمنية.