مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان: ملاذات آمنة تحت وطأة أزمة الخدمات وتصاعد النزوح

How Lebanon’s Palestinian refugee camps became both sanctuary and pressure point
الصورة: AFP file photo عبر News

أصبحت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ملاذات آمنة نسبياً بعد شهرين من تجدد الصراع بين إسرائيل وحزب الله، الذي تسبب في دمار واسع النطاق في المناطق الحدودية اللبنانية. تُشكل هذه المخيمات ملاذاً للنازحين من جنوب لبنان، حيث تستقبل آلاف الأفراد الفارين من جراء التصعيد العسكري المستمر. يوفر هذا اللجوء المؤقت بيئة تساعد على حماية المدنيين من القصف والاشتباكات المتواصلة في المناطق الحدودية، مما يجعلها أماكن نسبية للجوء في بحر من الدمار الذي خلفه الصراع المتجدد بين إسرائيل وحزب الله.

نزوح متزايد وضغط هائل على الموارد

تُظهر الأرقام الأخيرة تزايداً ملحوظاً في أعداد النازحين الذين لجأوا إلى المخيمات والمناطق المحيطة بها. فقد سجلت لجنة الإغاثة الإنسانية حتى أبريل/نيسان 5,391 عائلة نازحة، أي ما يعادل 22,033 شخصاً، يقيمون حالياً في المخيمات والتجمعات المحيطة بها، بالإضافة إلى مراكز الطوارئ التابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). من بين هؤلاء النازحين، بلغ عدد الأطفال 7,813 طفلاً، ما يسلط الضوء على الأثر الإنساني الكبير للصراع على الفئات الأكثر ضعفاً وحاجتها الماسة للحماية والرعاية في هذه الظروف الصعبة.

يشمل هذا العدد المتنوع من النازحين 1,299 لبنانياً، مما يعكس تأثير الصراع على السكان المحليين، و3,101 فلسطينياً، وهم من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان أصلاً أو من النازحين الجدد. كما يضم العدد 410 لاجئين فلسطينيين من سوريا، الذين كانوا قد لجأوا إلى لبنان سابقاً هرباً من الحرب الأهلية السورية، و404 سوريين، و16 شخصاً من عديمي الجنسية، و18 شخصاً من جنسيات غير موثقة، مما يعكس الطبيعة المعقدة والديموغرافية المتنوعة للمجتمعات المتأثرة بالنزوح المتواصل.

هذه الأرقام تضاف إلى أعداد كبيرة كانت المخيمات قد استوعبتها بالفعل. ففي عام 2017، كان ما يقرب من 225,000 شخص يعيشون في المخيمات الرسمية الاثني عشر والتجمعات المحيطة بها، وكان 73.6% منهم من الفلسطينيين. وقد استقبلت المخيمات بالفعل حوالي 27,000 لاجئ فلسطيني من سوريا فروا خلال الحرب الأهلية السورية، مما يزيد من الضغط على البنية التحتية والخدمات المحدودة أصلاً داخل هذه التجمعات المكتظة.

بحلول 5 مايو/أيار، سجلت الأونروا 1,132 نازحاً (328 عائلة) في مركزين من مراكز الطوارئ التابعة لها، بزيادة قدرها 951 شخصاً في أسبوع واحد فقط، مما يشير إلى تسارع وتيرة النزوح والحاجة الملحة للمزيد من المأوى والدعم. هذه الزيادة السريعة في أعداد النازحين تضع تحديات هائلة أمام المنظمات الإنسانية والسلطات المحلية، خاصة في ظل محدودية الموارد المتاحة وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة في البلاد.

تحول المخيمات إلى ملاذات نسبية في ظل تدهور الأوضاع

منذ 2 مارس/آذار، عملت لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني على تأمين الحد الأدنى من شروط البقاء على قيد الحياة ضمن خطة استجابة طارئة، في محاولة للتخفيف من حدة الأزمة الإنسانية المتفاقمة وتقديم الدعم الضروري للنازحين. وقد أدى الصراع الأخير إلى تجميد النشاط التجاري في جنوب لبنان بشكل شبه كامل، مما تسبب في خسارة الوظائف في قطاعات الزراعة والبناء والسياحة بشكل كبير، الأمر الذي أثر سلباً على سبل عيش الآلاف من الأسر التي تعتمد على هذه القطاعات.

وعلى الرغم من هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها لبنان عموماً والجنوب خصوصاً، أفاد سكان بعض المخيمات بحدوث ازدهار اقتصادي داخلي نسبي، حيث يتوافد أشخاص من المناطق المحيطة للتسوق داخل مخيم البص بالقرب من صور. هذا الازدهار المحدود يعكس قدرة المخيمات على توفير بعض الخدمات الأساسية في ظل غيابها في المناطق المتضررة الأخرى، مما يجعلها نقاط جذب اقتصادية للبعض رغم الظروف العامة القاسية.

تأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه الظروف داخل المخيمات صعبة بالفعل قبل اندلاع الصراع الأخير، وذلك بسبب الانهيار الاقتصادي في لبنان والتراجع المستمر في خدمات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). هذا التدهور في الخدمات الأساسية، مثل التعليم والصحة، أثر بشكل كبير على جودة الحياة داخل المخيمات، مما جعلها أكثر عرضة للتأثر بالصراعات الخارجية وتداعياتها الإنسانية.

تداعيات الصراع على الجنوب اللبناني وامتدادها إلى المخيمات

تستمر إسرائيل في حملة القصف في جنوب لبنان، حيث أصدرت أوامر إخلاء جديدة لتسع قرى في جنوب لبنان بتاريخ 9 مايو/أيار، مستأنفة حملة القصف رغم وجود وقف إطلاق نار بوساطة أمريكية منذ منتصف أبريل/نيسان. وقد ذكر الجيش الإسرائيلي أنه يستهدف البنية التحتية لحزب الله، مشيراً إلى أنه ضرب أكثر من 85 هدفاً لحزب الله في جنوب لبنان خلال 24 ساعة في 9 مايو/أيار، في إطار ما وصفه بعمليات استهداف مواقع تابعة للحزب.

في المقابل، أفادت وزارة الصحة العامة اللبنانية بأن الغالبية العظمى من القتلى في الهجمات الإسرائيلية كانوا من المدنيين، مما يشير إلى الأثر المدمر لهذه العمليات على السكان الأبرياء الذين يجدون أنفسهم في مرمى النيران. وقد أقر النائب عن حزب الله إبراهيم الموسوي بوجود خسائر وأضرار في جنوب لبنان نتيجة لهذه العمليات، مما يؤكد حجم الدمار والخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالمنطقة وسكانها.

وامتدت تداعيات الصراع إلى المخيمات الفلسطينية نفسها، مما يبرز اتساع نطاق العمليات العسكرية وتأثيرها على مناطق تعتبر تقليدياً خارج خطوط المواجهة المباشرة. فقد تعرضت المنطقة المحيطة بمخيم عين الحلوة لضربات جوية إسرائيلية مباشرة في مارس/آذار، مما أسفر عن سقوط ضحايا وأضرار مادية كبيرة في المنطقة المحيطة بالمخيم. كما طال القصف الشديد محيط مخيم برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت، مما يشير إلى أن هذه المناطق لم تعد بمنأى عن الاستهداف المباشر أو غير المباشر. وفي الشمال، تعرض مخيم البداوي أيضاً للاستهداف، حيث تم الإبلاغ عن سقوط ضحايا، مما يؤكد أن التهديد يطال المخيمات في مختلف أنحاء لبنان، بغض النظر عن موقعها الجغرافي.

كما ظهرت وفيات مرتبطة بالصراع بين أعضاء فصائل فلسطينية، مما يعكس تورط بعض أفراد المخيمات في هذه العمليات العسكرية. ففي 7 مايو/أيار، تداولت وسائل التواصل الاجتماعي نعي لطارق يوسف ولؤي نمر، اللذين كانا من مخيم برج الشمالي بالقرب من صور، وذكرت الأنباء أنهما كانا عضوين في حركة الجهاد الإسلامي، مما يشير إلى مشاركتهما في الصراع الدائر. هذه الأحداث تؤكد على امتداد تأثير الصراع إلى داخل المخيمات وتجمعات اللاجئين، وتورط بعض أفرادها في المجهود الحربي الذي يخوضه حزب الله والفصائل المتحالفة معه. وفي سياق آخر يعكس تداعيات الصراع، تم في أبريل/نيسان نقل جثث 76 سورياً قتلوا في غارات إسرائيلية داخل لبنان إلى سوريا، مما يوضح الأبعاد الإقليمية لهذه العمليات وتأثيرها على جنسيات مختلفة.

ديناميكيات أمنية وسياسية معقدة داخل المخيمات

تُدار المخيمات داخلياً من قبل الفصائل الفلسطينية بموجب ترتيبات غير رسمية تعود إلى اتفاق القاهرة عام 1969، الذي يمنح هذه الفصائل قدراً من الاستقلالية الإدارية والأمنية داخل المخيمات، مما يعقد سيطرة الدولة اللبنانية. ويُعد التنافس على السيطرة السياسية داخل هذه المخيمات، بالإضافة إلى تدهور الظروف الاجتماعية، مصدر قلق متزايد، حيث يمكن أن يؤدي إلى تفاقم التوترات الداخلية والنزاعات بين الفصائل المختلفة.

وقد أنهت عملية تسليم الأسلحة الفلسطينية للدولة اللبنانية مرحلتها الخامسة أواخر العام الماضي، في إطار جهود لنزع السلاح داخل المخيمات وتحسين الوضع الأمني. ومع ذلك، رفضت حماس وحركة الجهاد الإسلامي وحلفاؤهما الانضمام إلى عملية نزع السلاح، رابطين ذلك بنزع سلاح حزب الله، مما يعقد الجهود الرامية إلى بسط سيطرة الدولة الكاملة على السلاح داخل المخيمات ويتركها تحت سيطرة فصائل مسلحة.

وتفيد مصادر فلسطينية بأن مقاتلين فلسطينيين وسوريين يُنشرون إلى جانب حزب الله على الأرض، مما يشير إلى وجود تنسيق وتجنيد داخل هذه المجتمعات للمشاركة في الصراع الدائر. كما تُشير تقارير إلى وجود خلايا أمنية تعمل داخل المخيمات لتجنيد المقاتلين بشكل سري، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي داخل هذه التجمعات التي أصبحت ملاذاً آمناً لآلاف النازحين، ولكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات أمنية واجتماعية واقتصادية متزايدة، وتنافس على السيطرة السياسية، مما يجعلها بؤرة توتر محتملة.