مبادرة لحماية الذاكرة الثقافية في جنوب لبنان وسط الحرب

تسببت الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان في دمار واسع النطاق، حيث سُويت حوالي 70 بلدة وقرية بالأرض بشكل كامل، مما أحدث تغييراً جذرياً في المشهد الطبيعي والبشري للمنطقة. وقد اضطر السكان مراراً وتكراراً إلى الإخلاء القسري لمنازلهم وممتلكاتهم، في كثير من الأحيان قبل الضربات الجوية الإسرائيلية التي تستهدف مناطقهم، وذلك وفقًا لتقارير إعلامية مختلفة. في هذا السياق المأساوي، تهدف مبادرة جديدة إلى حماية الذاكرة الثقافية لجنوب لبنان من تداعيات هذه الحرب المدمرة، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من تاريخ المنطقة وهويتها. يقود هذه المبادرة هادي بكداش، رئيس دار المصور العربي ودار نشر بوك بوست (Book Post)، وهو شخصية معروفة في الأوساط الثقافية اللبنانية، الذي أطلق هذا المشروع الطموح في مواجهة التحديات الهائلة التي تفرضها الأعمال العسكرية المستمرة.

يهدف هذا المشروع الطموح إلى حماية الذاكرة الثقافية اللبنانية ككل، مع تركيز خاص على المناطق المتأثرة بالعملية العسكرية الإسرائيلية المستمرة منذ عام 2024. وقد أوضح بكداش أن "الشبكة تهدف إلى حماية الذاكرة الثقافية اللبنانية، خاصة في المناطق المتأثرة بالعملية العسكرية الإسرائيلية منذ عام 2024". وتضم المبادرة شبكة واسعة من المتطوعين، يصل عددهم إلى 80 متطوعًا، قد لا يتفقون سياسياً أو فكرياً في العديد من القضايا، لكنهم متحدون بشكل كامل على هدف واحد وواضح: حماية التراث الوطني للبلاد الذي يواجه تهديداً وجودياً. وفي هذا الصدد، قال بكداش معبراً عن هذه الوحدة: "هؤلاء الثمانون شخصًا لا يتفقون على نفس السياسات؛ هناك 80 رأيًا. لكن فيما يتعلق بحماية تراثنا الوطني، نحن واحد". هذه الوحدة تعكس إدراكاً عميقاً لأهمية التراث كركيزة للهوية الوطنية تتجاوز الانقسامات السياسية والانقسامات الفكرية، مؤكدة على أن الحفاظ على الذاكرة الجماعية يعد واجباً وطنياً يجمع كافة الأطياف.

تحديات الحرب وتدمير التراث الثقافي

يركز عمل المبادرة بشكل أساسي على تحديد وتوثيق وحماية التراث الثقافي المهدد بالخطر، والذي يشمل مجموعة واسعة من المواد الثقافية والتاريخية. تتضمن هذه المواد المكتبات العامة والخاصة التي تحتوي على كنوز معرفية، والأرشيفات العائلية والمؤسسية التي تحفظ سجلات الأجيال، والمخطوطات النادرة التي تحمل إرثاً فكرياً، والوثائق التاريخية التي تسجل أحداث الماضي، بالإضافة إلى الصور الفوتوغرافية التي تجسد لحظات من الحياة، والصحف التي تؤرخ الأحداث اليومية، والطوابع البريدية التي تعكس تاريخ الدولة، والتسجيلات السمعية والبصرية التي توثق الأصوات والصور المتحركة. بدأ التخطيط لهذه المبادرة الحيوية في عام 2024، بعد ظهور أدلة دامغة على تعرض العديد من المكتبات والأرشيفات لأضرار جسيمة، ومواجهتها لمزيد من مخاطر التدمير الكامل أو الجزئي نتيجة للأعمال العسكرية. هذا التدمير لا يقتصر على الماديات فحسب، بل يمتد ليشمل محو جزء من الهوية الوطنية اللبنانية.

يعمل المتطوعون في المبادرة بسرية تامة، وذلك بسبب الخوف الشديد من إمكانية تدمير المواد الثقافية المستهدفة قبل أن يتمكنوا من استعادتها أو حمايتها. وتشير المبادرة إلى أن هناك نمطاً متغيراً في تعامل القوات الإسرائيلية مع التراث خلال الغزوات المختلفة؛ ففي الغزوات السابقة، كانت القوات الإسرائيلية تقوم بنهب الأرشيفات والمحتويات الثقافية، بينما الآن، وبحسب المبادرة، فإنها تقوم بتدمير كل شيء بشكل منهجي، مما يمثل تحولاً خطيراً في استراتيجيات التعامل مع التراث. توثق المبادرة بشكل دقيق الأضرار التي لحقت بالمكتبات الخاصة التي تضم مجموعات فريدة، والأرشيفات العامة والخاصة التي تحفظ ذاكرة المجتمع، والمخطوطات الثمينة المحفوظة في الحسينيات (أماكن التجمعات الشيعية الدينية) التي تعتبر مراكز ثقافية ودينية هامة، والتي تحتوي على سجلات تاريخية ودينية لا تقدر بثمن.

في بلدة القنطرة بجنوب لبنان، أدى انفجار عنيف وقع في 28 أبريل/نيسان إلى تغيير معالم المنطقة بشكل جذري، مما أثار مخاوف جدية من فقدان المعالم البارزة التي كانت تستخدم تقليدياً لتحديد حدود الممتلكات والأراضي، وهو ما قد يؤدي إلى نزاعات مستقبلية. وتشمل الخسائر التي حدثت بالفعل بسبب هذه الحرب وثائق وأرشيفات ومواد ثقافية لا تقدر بثمن، تعرضت للتلف أو التدمير الكلي أو التشتت نتيجة للأعمال العسكرية المتواصلة. ما فُقد بالفعل يشمل وثائق وأرشيفات ومواد ثقافية تعرضت للتلف أو التدمير أو التشتت، مما يمثل خسارة لا تعوض للذاكرة الجماعية وللأجيال القادمة التي ستفقد جزءاً من تاريخها وهويتها.

جهود المتطوعين وتوسيع النطاق للحفاظ على السجلات

يعمل المتطوعون في المبادرة بشكل وثيق مع البلديات المحلية في جنوب لبنان للحفاظ على السجلات الحكومية والوثائق القانونية الهامة. ويشمل ذلك الملفات التي تحتفظ بها المحاكم الجعفرية، والتي تحتوي على معلومات حيوية تتعلق بالأحوال الشخصية والممتلكات. العديد من هذه السجلات لم يتم رقمنتها أو نقلها للحفظ من قبل، مما يعرضها للخطر الشديد في ظل الظروف الحالية للحرب، ويهدد بفقدان لا يمكن تعويضه للحقوق الفردية والجماعية. تسعى المبادرة إلى توثيق هذه المواد الحيوية وحمايتها واستعادتها كجزء من جهد طويل الأمد ومستمر للحفاظ على الذاكرة الثقافية والإدارية للبنان. هذا الجهد لا يقتصر على الجانب الثقافي فحسب، بل يمتد ليشمل الجانب القانوني والإداري الذي يؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين، ويضمن استمرارية مؤسسات الدولة على الرغم من التحديات.

توسع نطاق هذا الجهد ليشمل المزيد من الأشخاص من الجنوب بشكل مباشر، بعد أن بدأ في الضاحية الجنوبية لبيروت (Dahyeh). تضم الشبكة الآن حوالي 80 متطوعًا من جميع أنحاء لبنان، مما يعكس تزايد الاهتمام والرغبة العارمة في حماية التراث الثقافي للبلاد ككل. قامت المبادرة بتوثيق عدد كبير من المجموعات المعرضة للخطر وساعدت في حماية أو نقل بعضها إلى أماكن آمنة، وذلك في إطار جهودها المستمرة لمنع فقدان المزيد من المواد الثقافية والتاريخية التي لا تقدر بثمن، والتي تمثل شهادة حية على تاريخ وحضارة المنطقة. تؤكد هذه الجهود على الالتزام العميق بالحفاظ على الهوية اللبنانية في مواجهة التحديات الهائلة التي تفرضها الحرب، وتقدم نموذجاً للتكاتف الوطني.

يؤكد هادي بكداش، رئيس دار المصور العربي ودار نشر بوك بوست (Book Post)، أن الهدف الأساسي من هذه المبادرة هو الحفاظ على الذاكرة الجماعية لجنوب لبنان، خاصة في المناطق المتأثرة بشكل مباشر بالحرب. وتستمر جهود المتطوعين الدؤوبة في تحديد الأرشيفات الخاصة والعامة والمخطوطات التي لم يتم توثيقها بعد، لضمان عدم تعرضها للضياع أو التدمير. تشمل هذه الجهود العمل الميداني الدقيق، وجمع المعلومات القيمة من المجتمعات المحلية في بلدات مثل القنطرة (Qantara) والبلدات المجاورة في جنوب لبنان، حيث يتم التواصل مع الأهالي وأصحاب المجموعات لتقييم الوضع وتقديم المساعدة اللازمة، مما يعزز من الشعور بالمشاركة المجتمعية في هذا المشروع الوطني.

مبادرات مستقبلية وجمع التبرعات لدعم الذاكرة الثقافية

تستعد المبادرة لتوسيع نطاق عملها المستقبلي ليشمل مبادرات أوسع وأكثر تنظيماً. وفي هذا الإطار، تتطلع المبادرة إلى المكتبة الوطنية في بيروت كموقع محتمل لجمع تبرعات عامة، مما سيتيح لها الوصول إلى شريحة أوسع من الداعمين. وتنتظر المبادرة حالياً موافقة وزارة الثقافة اللبنانية لاستخدام المكتبة الوطنية كمكان للاجتماعات الدورية للمتطوعين والخبراء، وكذلك لتخزين المواد الثقافية التي يتم جمعها وحمايتها، مما يوفر بيئة آمنة ومناسبة للحفاظ على هذه الكنوز. هذا التوسع يهدف إلى تعزيز القدرة على حماية الذاكرة الثقافية في جنوب لبنان بشكل فعال، خاصة بعد الأضرار الجسيمة التي لحقت بالعديد من البلدات والقرى التي كانت تزخر بالتراث، والتي باتت بحاجة ماسة إلى جهود إنقاذ مكثفة.

من المقرر تنظيم فعالية كبرى لجمع التبرعات في 4 يوليو/تموز، حيث سيكون رسم الدخول لهذه الفعالية عبارة عن كتاب يتم التبرع به من قبل الحضور. تسعى هذه الفعالية إلى حشد الدعم المجتمعي الواسع للمبادرة وتوفير الموارد اللازمة لاستمرار جهود التوثيق والحماية التي يقوم بها المتطوعون. ويأمل المنظمون أن تساهم هذه الكتب المتبرع بها في بناء مكتبات جديدة في المناطق المتضررة، أو في استكمال المجموعات المتضررة في المكتبات الموجودة، مما يعيد الحياة الثقافية إلى هذه المناطق ويعزز من فرص التعليم والمعرفة للأجيال القادمة.

يهدف هذا العمل الجبار إلى بث الأمل في نفوس الناس وإظهار أنهم ليسوا متروكين لمصيرهم في مواجهة الدمار. ويؤكد القائمون على المبادرة على الأهمية القصوى للجانب المعنوي من هذا الجهد، والذي يتجاوز مجرد الحفاظ على الماديات ليشمل تعزيز الشعور بالانتماء والمقاومة الثقافية في مواجهة التحديات الراهنة. ويُنظر إلى الحفاظ على التراث الثقافي كجزء أساسي من صمود المجتمعات المتضررة وقدرتها على إعادة بناء نفسها بعد انتهاء الصراع، فهو يمثل حبل الوصل بين الماضي والمستقبل، ويؤكد على قدرة الشعب اللبناني على الصمود والتجدد.

تداعيات أوسع على الهوية والتاريخ والبيئة

يثير تدمير السجلات والوثائق مخاوف كبيرة من تزايد النزاعات القانونية المستقبلية حول الأراضي والممتلكات، حيث أن فقدان هذه المستندات قد يجعل إثبات الملكية أمراً بالغ الصعوبة، ويفتح الباب أمام مطالبات متضاربة قد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية. ويوثق المتطوعون الأضرار التي لحقت بحدائق الزيتون المعمرة التي يعود عمرها إلى قرون، مع ورود تقارير عن قيام القوات الإسرائيلية باقتلاعها ونقلها إلى إسرائيل، مما يمثل خسارة اقتصادية وبيئية وثقافية فادحة، ويحرم المزارعين من مصدر رزقهم التقليدي. كما توجد مخاوف جدية بشأن الخسائر التي لحقت بأعداد نحل العسل، والتي قد تترتب عليها عواقب بيئية وزراعية طويلة الأمد، تؤثر على التلقيح والإنتاج الزراعي في المنطقة، مما يهدد الأمن الغذائي. هذه التداعيات لا تقتصر على الجانب المادي أو الثقافي فحسب، بل تمتد لتشمل البنية البيئية والاقتصادية للمنطقة بأسرها، مما يعمق من حجم الكارثة التي يواجهها جنوب لبنان، ويجعل مهمة إعادة الإعمار أكثر تعقيداً وتحدياً.