لبنان يؤكد سعيه للسلام لا التطبيع مع إسرائيل وسط تصاعد التوترات

Nawaf Salam
الصورة: AFP عبر News

أكد رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، يوم الخميس، أن لبنان يسعى إلى "السلام لا التطبيع مع إسرائيل"، وذلك في ظل تصاعد التوترات العسكرية على الحدود الجنوبية. تأتي تصريحات سلام عقب ضربات إسرائيلية أسفرت عن سقوط قتلى في لبنان، وتهديدات بانهيار وقف إطلاق النار المعلن. أفادت تقارير بأن إسرائيل تواصل هجماتها واحتلالها للأراضي الجنوبية، مما يهدد بانهيار الهدنة، مشددة على أن هذه الهجمات المستمرة والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الجنوبية يهددان بشكل مباشر بانهيار وقف إطلاق النار الهش. وشدد سلام على أن الشرط الأدنى للبنان، الذي لا يمكن التنازل عنه، هو "جدول زمني واضح" لانسحاب إسرائيل الكامل من الجنوب اللبناني.

وقال سلام إن الظروف الحالية "ليست ناضجة للحديث عن اجتماعات رفيعة المستوى"، مع إعطاء الأولوية لتدعيم وقف إطلاق النار. مشيراً إلى أن لبنان "لا يسعى إلى تطبيع علاقاته مع إسرائيل، بل إلى صنع السلام" العادل والشامل. وفي 7 مايو 2026، قتلت ضربات إسرائيلية ستة أشخاص على الأقل في لبنان، بينهم شخصان في ضربة استهدفت مركبة على طريق حبوش، وشخص واحد في ضربة بطائرة مسيرة قرب مفدون، بالإضافة إلى سقوط ضحايا آخرين في حوادث متفرقة شهدتها المنطقة.

وقبل ذلك بيوم، وتحديداً يوم الأربعاء، استهدفت ضربات إسرائيلية متعددة مناطق واسعة في جنوب وشرق لبنان، بما في ذلك ضربة على الضاحية الجنوبية لبيروت (Dahiyeh)، مما أسفر عن مقتل عائلة مكونة من أربعة أفراد في جباع، ومسعفين اثنين في مفدون، ومواطن سوري في حاروف. وكانت هذه الضربات قد خلفت دماراً واسعاً وأثارت موجة من الاستنكار المحلي والدولي. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن في 17 أبريل عن وقف إطلاق النار بين تل أبيب وحزب الله، الذي كان محدداً في البداية بعشرة أيام ثم تم تمديده لاحقاً، في محاولة لاحتواء التصعيد المتواصل. وشدد سلام على أهمية "المراقبة والتنسيق والتوثيق" الدقيق للأحداث الجارية على الأرض، لضمان عدم تكرار الخروقات وتقديم تقارير دقيقة للمجتمع الدولي.

تداعيات الهجمات الإسرائيلية الأخيرة وتأثيرها على المفاوضات

استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (Dahiyeh) مالك بلوط، قائد عمليات قوة الرضوان النخبوية التابعة لحزب الله، في ضربة إسرائيلية دقيقة. وأفاد مصدر أمني لبناني لوكالة فرانس برس (AFP) أن الضربة أصابت شقة كان يجتمع فيها شخصيات رفيعة المستوى، مما يشير إلى استهداف قيادات عليا في الحزب. وفي سياق متصل، كشف مصدر رسمي لبناني لقناة الجزيرة أن الرئاسة تسعى بشكل حثيث للتوصل إلى اتفاق نهائي شامل لإنهاء الأعمال العدائية مع إسرائيل بشكل دائم. وأضاف المصدر أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة تهدف بوضوح إلى عرقلة المفاوضات الجارية وإحباط أي تقدم نحو التهدئة.

ومن المتوقع أن تتم الخطوة التالية قبل 17 مايو، وهي تمديد الهدنة وتأمين التزام إسرائيلي راسخ بوقف إطلاق النار، وهو ما يعتبر أمراً حيوياً لاستقرار الوضع. وقد أبلغت الرئاسة اللبنانية واشنطن أن أي اجتماع بين الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في هذه المرحلة الحساسة قد يقوض الجهود الدبلوماسية الرامية إلى استقرار الوضع وفتح قنوات للحل. ومن المقرر أن تبدأ محادثات على مستوى الوفود الأسبوع المقبل في واشنطن، تشمل ملفات أمنية وسياسية معقدة، بما في ذلك قضايا الأسلحة، والانسحاب العسكري، وترسيم الحدود البحرية والبرية، إضافة إلى إعادة الإعمار للمناطق المتضررة.

وكان الرئيس جوزيف عون قد صرح في وقت سابق من هذا الأسبوع أن التوقيت ليس مناسباً لعقد اجتماع مع نتنياهو، مؤكداً أن لبنان "يجب أن يتوصل أولاً إلى اتفاق أمني شامل ووقف للهجمات الإسرائيلية" قبل أي محادثات من هذا القبيل، وأن أي لقاء مباشر سيكون سابقاً لأوانه دون هذه الضمانات الأساسية. ووفقاً لوزارة الصحة اللبنانية، فقد أسفرت الضربات الإسرائيلية منذ أوائل مارس عن مقتل 2,715 شخصاً على الأقل وإصابة 8,353 آخرين، مما يعكس حجم الكارثة الإنسانية. كما ذكرت الوزارة أن 16 مستشفى تعرضت لأضرار بالغة، وثلاثة منها خرجت عن الخدمة تماماً، مما يزيد العبء على القطاع الصحي المنهك. رد حزب الله على هذه الهجمات باستهداف قوات الاحتلال الإسرائيلية في جنوب لبنان بطائرات مسيرة متطورة ونيران مدفعية مكثفة، في تصعيد متبادل. وكانت إسرائيل قد شنت هجمات شبه يومية على أهداف وأشخاص يُزعم ارتباطهم بحزب الله قبل القتال الأخير، وذلك على الرغم من وقف إطلاق النار الذي أنهى نزاعهما السابق في نوفمبر 2024، مما يدل على استمرار التوتر وعدم الاستقرار.

موقف لبنان الرسمي من السلام والتطبيع ومتطلباته

أعرب رئيس مجلس النواب نبيه بري عن أمله في أن "تصل المفاوضات الإيرانية-الأمريكية قريباً إلى نتيجة إيجابية"، معتبراً أنها قد تسهم في تخفيف حدة التوترات الإقليمية. وحذر بري من أن أي اتفاق سيتطلب ضمانات قوية، مشيراً إلى أن إسرائيل "لا تحترم التزاماتها" السابقة، مما يستدعي توفير آليات رقابة دولية صارمة. وفي سياق متصل، حث رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، على نشر قوة دولية في جنوب لبنان من أجل "المراقبة والتنسيق والتوثيق" الدقيق للتطورات على الأرض، معرباً عن أمله في مشاركة الدول الأوروبية في هذه القوة لضمان فعاليتها وحياديتها. ويأتي هذا في ظل قرب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) نهاية عام 2026، مما يستدعي التفكير في ترتيبات أمنية بديلة أو معززة.

كما صرح سلام بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان لاستبعاد فرنسا من الآلية التي تشرف على وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في 27 نوفمبر 2024، مما يثير تساؤلات حول الدوافع وراء هذا الاستبعاد. ومن الجدير بالذكر أن إسرائيل ولبنان في حالة حرب من الناحية الفنية منذ عام 1948، ولا توجد بينهما علاقات دبلوماسية رسمية، مما يجعل أي مفاوضات أو اتفاقات معقدة بطبيعتها.

موقف حزب الله من المفاوضات ومستقبل نزع السلاح

أعلن نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، أن الجماعة "ترفض رفضاً قاطعاً المفاوضات المباشرة مع إسرائيل"، مؤكداً على موقف الحزب الثابت من عدم الاعتراف بالكيان الإسرائيلي. وحذر قاسم المسؤولين اللبنانيين من أن المفاوضات المباشرة "لن تفيد لبنان ولا أنفسهم"، داعياً السلطات إلى "التراجع عن خطيئتهم الكبرى بوضع لبنان في دوامة من عدم الاستقرار" من خلال هذه المحاولات. وأكد قاسم موقف الحزب قائلاً: "مهما هدد العدو، لن نتراجع، ولن ننحني، ولن نهزم"، مشدداً على أن المقاومة هي الخيار الوحيد للحفاظ على سيادة لبنان وكرامته.

ويُعد نزع سلاح حزب الله مطلباً رئيسياً للولايات المتحدة وإسرائيل والعديد من الأطراف اللبنانية الداخلية والخارجية، الذين يرون فيه تهديداً للاستقرار الإقليمي والدولي. ومع ذلك، يؤكد مؤيدو الحزب أنه يمثل الحماية الوحيدة لهم في ظل دولة ضعيفة لا تستطيع توفير الدفاع الكافي ضد التهديدات الخارجية، خاصة من إسرائيل. كما تشير تقارير إلى أن الحكومة اللبنانية تمتلك نفوذاً ضئيلاً للغاية، إن وجد، على حزب الله وقراراته العسكرية والسياسية، مما يحد من قدرتها على فرض رؤيتها. هذه الديناميكية المعقدة تُعقد جهود التوصل إلى حلول مستدامة للصراع الإقليمي وتزيد من صعوبة تحقيق السلام الدائم.

خلفيات الصراع وآفاق المستقبل في المنطقة

مع حلول منتصف الليل، احتفلت أصوات إطلاق النار والألعاب النارية في بيروت ببدء سريان وقف إطلاق النار، في مشهد يعكس الترقب والأمل بالهدوء. واستمر النزاع بين إسرائيل وحزب الله لمدة ستة أسابيع متواصلة، أسفر خلالها عن مقتل أكثر من 2,100 شخص، وفقاً للسلطات الصحية اللبنانية، في حصيلة مأساوية تعكس حجم العنف. كما أسفر الصراع عن نزوح أكثر من مليون شخص، ما يعادل نحو خمس السكان اللبنانيين، مما تسبب في أزمة إنسانية واقتصادية حادة.

وفي الوقت الذي دخل فيه وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، أفادت تقارير بأن بعض المدن والقرى القريبة من الحدود اللبنانية لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، مما يمثل خرقاً واضحاً لمبدأ السيادة. ولم يتضمن اتفاق وقف إطلاق النار أي ذكر صريح لانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، مما يترك الباب مفتوحاً أمام استمرار التوترات. وفي هذا السياق، صرح مسؤولون إسرائيليون أن هدفهم هو إنشاء منطقة عازلة أمنية بعمق عدة أميال داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما يرفضه لبنان بشكل قاطع.

وكان الرئيس جوزيف عون قد أكد سابقاً أن نزع السلاح لا يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية، وسيتطلب مفاوضات سياسية ودبلوماسية معقدة. وشدد الرئيس عون على أنه "يجب أولاً التوصل إلى اتفاق أمني شامل ووقف للهجمات الإسرائيلية" قبل أي محادثات بشأن نزع السلاح، مؤكداً أن الأمن والاستقرار هما الأساس لأي حوار مستقبلي.