وثقت "اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني" في لبنان تقريراً مفصلاً حول الانتهاكات الإسرائيلية في البلاد، وذلك في إطار حملة عسكرية مستمرة منذ 8 أكتوبر 2023. هذه الحملة الإسرائيلية الأخيرة في لبنان تأتي ضمن صراع أوسع مستمر منذ ذلك التاريخ، حيث تسعى اللجنة إلى توثيق شامل للأحداث. يشرف نائب رئيس الوزراء طارق متري على عملية التوثيق ويترأس اللجنة الحكومية، وقد قدم المسودة الأولية للتقرير إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة خلال دورته الثانية والستين في يونيو. يهدف التقرير إلى تقديم توثيق وتحليل قانوني أكثر تفصيلاً للحوادث الفردية مقارنة بتقرير سابق صدر حول صراع 2023-2024، لضمان تغطية أعمق وأشمل للانتهاكات.
أوضح متري أن هذه الجهود تهدف إلى "الحفاظ على الذاكرة الوطنية"، مشيراً إلى أن "وحدة الشعوب تُبنى حول ذاكرة مشتركة". وأضاف أن لبنان لا يريد "تكرار تجربة الحرب الأهلية اللبنانية" حيث أدت العفو العام في التسعينات إلى "فقدان الذاكرة"، مما منع تحقيق العدالة والمساءلة عن الجرائم المرتكبة. وأكد متري أن "إسرائيل تنتهك القانون الدولي الإنساني ولها سجل طويل في ذلك"، وأن "لبنان ليس استثناءً، والانتهاكات التي تحدث هنا تشبه بشكل متزايد تلك التي تحدث في غزة". هذا التأكيد يسلط الضوء على الطبيعة المتكررة والمنهجية للانتهاكات المزعومة، ويربط بين الأوضاع في لبنان وغزة في سياق انتهاكات القانون الدولي الإنساني.
أشار متري إلى اتفاق إطاري بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، وُقّع في 26 يونيو، يتضمن بنداً يمنع لبنان من مقاضاة إسرائيل أمام المحاكم الدولية خلال فترة التفاوض. وعبر عن مفاجأته من "حجم الانتقادات الموجهة لإسرائيل من المنصات الدولية"، بما في ذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والتي تزايدت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة. وأكد متري أن "الاتفاق الإطاري لم يُعرض على مجلس الوزراء، ولم نناقشه في أي جلسة وزارية منذ توقيعه". لذلك، "نحن في اللجنة الوطنية نواصل عملنا التوثيقي بهدف استخدامه في المحافل الدولية"، معترفاً بأن "الطريق نحو مقاضاة إسرائيل طويل". هذا الاعتراف يبرز التحديات الكبيرة التي تواجه لبنان في مساعيه لتحقيق العدالة والمساءلة الدولية، خاصة مع وجود اتفاقيات تحد من قدرته على التحرك القانوني.
جهود توثيق الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان
يحتوي الملف الذي أعدته اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني على آلاف الصفحات من التقارير والأدلة الموثقة التي جمعتها اللجنة. هذه الأدلة تشمل شهادات الضحايا، صوراً ومقاطع فيديو، وتقارير فنية توثق الأضرار والانتهاكات بشكل دقيق ومفصل. يستند الإطار القانوني للتقرير إلى اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، التي تشكل حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني، بالإضافة إلى القانون الدولي الإنساني العرفي، الذي يلزم جميع الدول بغض النظر عن انضمامها لاتفاقيات معينة. تعتمد النتائج على أدلة مفتوحة المصدر ومعلومات صادرة عن هيئات رسمية ومنظمات حقوق الإنسان الموثوقة، مما يعزز مصداقية التقرير وشموليته. أظهرت النتائج أن التدمير الإسرائيلي المنهجي قد أثر على مئات المدارس والمستشفيات، مما يعيق بشكل كبير توفير الخدمات الأساسية للسكان المدنيين، كما دمر آلاف المنازل، مما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من الأسر وفقدان المأوى. تضرر أراضٍ زراعية تبلغ مساحتها 22 بالمائة من المساحة المزروعة في لبنان، مما يهدد الأمن الغذائي وسبل عيش المجتمعات المحلية. يعتقد طارق متري، نائب رئيس الوزراء ورئيس اللجنة، أن إسرائيل تنتهك القانون الدولي الإنساني ولديها سجل طويل في ذلك، مشيراً إلى أن الانتهاكات في لبنان تشبه بشكل متزايد تلك التي تحدث في غزة، من حيث النطاق والمنهجية. وقد أسفرت الهجمات على بيروت وحدها عن مقتل أكثر من 300 شخص وإصابة أكثر من 1200 آخرين خلال فترة عشر دقائق، ما يعكس كثافة وعنف هذه الهجمات. كما وثقت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) حوادث ضمن منطقة عملياتها جنوب نهر الليطاني، وقدمت تقارير مفصلة إلى اللجنة، مما يضيف بعداً آخر للتوثيق الرسمي لهذه الانتهاكات.
تعقيدات قانونية تعيق المساءلة الدولية
تعاني جهود توثيق الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان من غياب هيكل مؤسسي واضح، وتعتمد بشكل كبير على جهود المتطوعين ومنظمات المجتمع المدني. هذا الاعتماد على المبادرات الفردية والجماعات غير الحكومية يشكل تحدياً أمام استدامة وتوحيد عملية جمع الأدلة وتقديمها بشكل منهجي وفعال أمام المحافل الدولية. فغياب التمويل المستقر والموارد البشرية المتخصصة يعيق القدرة على إجراء تحقيقات شاملة ومتابعة القضايا بشكل فعال على المدى الطويل. هذا الوضع يؤثر على قدرة لبنان على بناء قضية قانونية متينة يمكن تقديمها أمام الهيئات القضائية الدولية.
يواجه لبنان عقبات قانونية إضافية في سعيه للمساءلة الدولية، حيث إنه ليس طرفاً في نظام روما الأساسي، وهي المعاهدة التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية (ICC). هذا الوضع يحد من قدرة لبنان على إحالة القضايا مباشرة إلى المحكمة الجنائية الدولية أو قبول اختصاصها التلقائي في الجرائم التي ترتكب على أراضيه، مما يتطلب مسارات قانونية بديلة وأكثر تعقيداً لمتابعة قضايا الانتهاكات. هذه المسارات قد تشمل اللجوء إلى محاكم دولية أخرى ذات اختصاص أوسع، أو محاولة إقناع مجلس الأمن الدولي بإحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يتطلب إجماعاً سياسياً غالباً ما يكون صعب التحقيق.
ويعتقد طارق متري أن لبنان اضطر لقبول الاتفاق الإطاري الذي يمنع مقاضاة إسرائيل أمام المحاكم الدولية خلال فترة التفاوض، وذلك تحت ضغط تهديدات إسرائيلية. ووفقاً لمتري، هددت إسرائيل بملاحقة لبنان قضائياً بتهمة إيواء منظمة إرهابية، في إشارة محتملة إلى حزب الله، وهو ما دفع لبنان لقبول بنود الاتفاق الإطاري رغم التحفظات على بنوده. هذا السياق الدبلوماسي المعقد يبرز التحديات التي تواجه بيروت في تحقيق المساءلة القانونية وسط توازنات القوى الإقليمية والدولية. الضغوط السياسية والاقتصادية تلعب دوراً حاسماً في تشكيل القرارات القانونية والدبلوماسية للبنان، مما يحد من خياراته في مواجهة الانتهاكات.
اتفاق إطار يحد من الإجراءات القانونية
اعترف طارق متري بأن الطريق نحو مقاضاة إسرائيل طويل، وذلك في سياق الجهود اللبنانية لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية وتقديمها أمام المحافل الدولية. تأتي هذه الجهود في ظل اتفاق إطاري وُقّع بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 يونيو، والذي يتضمن بنداً يمنع لبنان من مقاضاة إسرائيل أمام المحاكم الدولية خلال فترة التفاوض. هذا البند يثير تساؤلات حول مدى سيادة لبنان في متابعة حقوقه القانونية على الساحة الدولية. وقد أعرب متري في وقت سابق عن مفاجأته من حجم الانتقادات الموجهة لإسرائيل من المنصات الدولية، بما في ذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن الاتفاق الإطاري لم يُعرض على مجلس الوزراء اللبناني ولم يُناقش في أي جلسة وزارية منذ توقيعه، ما دفع اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني لمواصلة عملها التوثيقي بشكل مستقل وبعيداً عن تأثيرات هذا الاتفاق، بهدف جمع الأدلة اللازمة لأي تحرك قانوني مستقبلي.
وفي سياق متصل، أعرب ناصر ياسين، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عن قلقه من التوجهات العالمية الراهنة، مشيراً إلى أن العالم قد دخل مرحلة "تطبيع الإبادة الجماعية". وأضاف ياسين أن التعامل مع الأحداث الجارية يتم "كما لو كانت شيئاً عادياً، بينما أثر التدمير الإسرائيلي المنهجي على مئات المدارس والمستشفيات، والتي تُعد بنى تحتية حيوية لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وآلاف المنازل التي تم تدميرها بشكل كامل أو جزئي، مما أدى إلى نزوح واسع النطاق، بالإضافة إلى أراضٍ دمرت أو أحرقت، بلغت مساحتها 22 بالمائة من المساحة المزروعة في لبنان". هذا التدمير الواسع النطاق يهدد بشكل مباشر الأمن الغذائي والاقتصادي للبنان، ويزيد من معاناته الإنسانية. تعكس تصريحات ياسين حالة من الإحباط تجاه الاستجابة الدولية لما يعتبره تدميراً واسع النطاق في لبنان، مشدداً على أن صمت المجتمع الدولي أو عدم فعاليته يساهم في تفاقم الأزمات.
تأتي هذه التطورات في ظل تزايد عزلة إسرائيل على الساحة الدولية، حيث ترى حوالي 60 دولة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن إسرائيل أصبحت معزولة بشكل متزايد. هذا التوجه يعكس تحولاً في الرأي العام الدولي تجاه ممارسات إسرائيل، ويزيد من الضغط عليها في المحافل الدولية، مما قد يفتح آفاقاً جديدة للمساءلة في المستقبل. وعلى الرغم من هذا الشعور بالعزلة المتزايدة، فإن العقبات القانونية والدبلوماسية لا تزال تشكل تحدياً كبيراً أمام جهود لبنان لتحقيق المساءلة القضائية الدولية، خاصة مع وجود اتفاقيات تحد من قدرته على التحرك القانوني المباشر. إن تحقيق العدالة يتطلب جهوداً دولية منسقة وضغطاً مستمراً لضمان احترام القانون الدولي الإنساني.