تُعامل لبنان بقسوة مألوفة كلما رغبت إسرائيل في تغيير مسار المحادثات الإقليمية، وفقاً لما صرحت به جيني ويليامز. هناك قسوة مألوفة في الطريقة التي يُعامل بها لبنان كلما أرادت إسرائيل تغيير المحادثات الإقليمية، وهو ما أكدته ويليامز بوضوح. وتضيف ويليامز أن قرية في لبنان تتحول إلى رسالة، وضاحية تصبح إشارة، ومدينة حدودية تغدو ورقة ضغط في مفاوضات تخص آخرين. هذه القسوة المألوفة في التعامل مع لبنان تبرز كنمط متكرر في السياسة الإقليمية، حيث يصبح مصير الأراضي اللبنانية رهينة للتجاذبات الدبلوماسية الأوسع.
عندما تبدأ الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران في تحقيق تقدم، أو عندما تبدأ في التنفس، يلجأ بنيامين نتنياهو إلى لبنان، في إشارة إلى استخدامه كورقة ضغط. وتؤكد ويليامز أن حظر ميثاق الأمم المتحدة للتهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية لدولة أخرى ليس مجرد جملة بلاغية. وتشدد ويليامز على أن هذا الحظر ليس جملة زخرفية، بل هو مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي، يهدف إلى حماية سيادة الدول وسلامتها الإقليمية. تؤكد هذه الملاحظة على أهمية الالتزام بالقانون الدولي في التعاملات الإقليمية، وعلى أن السيادة الإقليمية للدول يجب أن تُحترم، ولا يمكن التغاضي عن انتهاكها بذريعة الضرورات الأمنية.
إذا كانت الدبلوماسية جادة، يجب ألا تمنح إسرائيل باباً جانبياً يمكن من خلاله مواصلة الحرب. هذا يضع مسؤولية على الأطراف الدبلوماسية لضمان عدم استغلال أي مسارات لمزيد من الصراع، ولضمان أن لا يكون هناك مجال لاستمرار الأعمال العدائية تحت غطاء الدبلوماسية، مما يستدعي يقظة دولية لضمان فعالية أي اتفاقات.
نمط متكرر: لبنان كأداة لتعطيل الدبلوماسية
لم تكن تصعيدات الليلة الماضية مجرد حلقة عسكرية معزولة؛ بل هي جزء من نمط أصبح من الصعب تجاهله. ترى جيني ويليامز أن إسرائيل ليس لديها الحق الأخلاقي أو القانوني في التعامل مع الأراضي اللبنانية كصمام لتفريغ مخاوفها الاستراتيجية. وتوضح ويليامز هذا النمط بالقول: "إسرائيل ليس لديها الحق الأخلاقي أو القانوني في التعامل مع الأراضي اللبنانية كصمام لتفريغ مخاوفها الاستراتيجية." وهذا يؤكد على أن استخدام الأراضي اللبنانية بهذه الطريقة يتعارض مع أي معايير أخلاقية أو قانونية مقبولة، ويشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة دولة ذات سيادة.
تضيف ويليامز أن حسابات بنيامين نتنياهو ليست دقيقة، مشيرة إلى أنه يرغب في بقاء لبنان جبهة مفتوحة حتى عندما يتجه المسار الإيراني الأمريكي نحو وقف إطلاق النار أو تفاهم أوسع. إن حسابات نتنياهو ليست خفية أو دقيقة، بل هي واضحة في سعيها لإبقاء المنطقة في حالة توتر مستمر. وتؤكد ويليامز أن لبنان يمنحه "ساحة معركة يمكن توسيعها دون الاعتراف الفوري بأن الهدف الحقيقي هو الدبلوماسية نفسها." تعتمد استراتيجية نتنياهو على أن يتعب العالم من طرح الأسئلة حول هذا النمط المتكرر، وأن يتوقف عن التساؤل حول دوافعه الحقيقية، وهو ما يخدم أجندته لعرقلة أي جهود للتهدئة.
يحتاج نتنياهو إلى أن تتحول معاناة لبنان إلى ضجيج في الخلفية، وفقاً لما ذكرته ويليامز. كما يحتاج إلى أن تُعامل كل ضربة إسرائيلية كحدث تكتيكي منفصل بدلاً من اعتبارها جزءاً من محاولة أكبر لعرقلة مسار خفض التصعيد. ويحتاج كذلك إلى أن تواصل واشنطن التظاهر بأن الملف اللبناني يمكن فصله عن إيران، وعن غزة، وعن مضيق هرمز، وعن الفشل الأوسع للنظام الأمريكي في الشرق الأوسط، وهو ما يعكس رغبة في تجزئة الأزمات الإقليمية لتجنب معالجة جذور المشكلة.
الموقف الإيراني: لبنان كشرط أساسي للسلام
بعد أن دفعت الضربات الإسرائيلية وقف إطلاق النار إلى نقطة الانهيار، ألقت إيران باللوم على واشنطن في السماح بتفاقم الأزمة وحذرت من أن الإجراءات الإسرائيلية في لبنان تعرض الدبلوماسية للخطر. أكدت طهران باستمرار أن لبنان ليس قضية جانبية أو ثانوية في أي مفاوضات أوسع، وأنها تصر على أن لبنان ليس ملفاً جانبياً، بل هو جزء لا يتجزأ من الاستقرار الإقليمي. وقد جعلت إيران من وقف إطلاق النار في لبنان شرطًا أساسيًا لأي اتفاق سلام محتمل مع واشنطن، مما يشير إلى أهمية الملف اللبناني في سياستها الإقليمية، ورفضها لأي محاولات لتهميشه. رداً على ذلك، ردت إيران عسكريًا على إسرائيل، وبعثت بإشارة واضحة مفادها أن أي هجمات إضافية على لبنان ستجلب عواقب أشد قسوة.
أوضحت جيني ويليامز هذا الموقف بقولها: "لقد ردت إيران عسكريًا على إسرائيل وأشارت إلى أن المزيد من الهجمات على لبنان سيترتب عليها عواقب أشد قسوة. كانت الرسالة غير غامضة: لبنان ليس ملفًا منسيًا، وإسرائيل لا يمكنها قصفه كوسيلة لكتابة شروط الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية." هذا يشير إلى أن طهران ترى لبنان جزءًا لا يتجزأ من أي حوار دبلوماسي أوسع، وأنها لن تسمح بأن يُعامَل كملف يمكن التغاضي عنه أو استخدامه كأداة ضغط. إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى دبلوماسية جادة مع إيران، فإنه يجب عليها أن تقبل أن لبنان ينتمي إلى صلب المحادثات، وليس خارجها، وفقًا لما تصر عليه طهران، لأن تجاهل هذا المطلب سيعرقل أي تقدم حقيقي نحو السلام.
المعايير المزدوجة الأمريكية وتداعياتها على الحلفاء
في واشنطن، غالبًا ما لا تُناقش حياة اللبنانيين إلا عندما تصبح متغيرًا في استراتيجية شخص آخر. ويحتاج بنيامين نتنياهو إلى أن تواصل واشنطن التظاهر بأن الملف اللبناني يمكن فصله عن إيران، وعن غزة، وعن مضيق هرمز، وعن الفشل الأوسع للنظام الأمريكي في الشرق الأوسط. وعلى النقيض، يكشف النهج الإيراني تجاه لبنان عن منطق سياسي مختلف. قد لا يكون منطقًا تفضله واشنطن، ولكنه ثابت، فالحليف لا يُتخلى عنه بسبب ارتفاع التكلفة.
ذكرت جيني ويليامز أن "نهج إيران تجاه لبنان يكشف عن منطق سياسي مختلف. قد لا يكون منطقًا تفضله واشنطن، ولكنه ثابت: الحليف لا يُتخلى عنه لأن التكلفة ترتفع. لا يُترك لبنان وحيدًا لأن معاناته تعقّد المحادثات. الناس الذين يعيشون تحت القنابل الإسرائيلية لا يُعاملون كحاشية سفلية مؤسفة لعنوان دبلوماسي أنظف. في منطقة غالبًا ما تصل فيها الوعود الأمريكية ببنود دقيقة، يهم هذا الثبات". وتضيف ويليامز أنه لا توجد دبلوماسية أمريكية ذات مصداقية مع إيران إذا لم تستطع واشنطن كبح حليفها الأكثر تصميمًا على عرقلتها، مما يؤكد على ضرورة مراجعة واشنطن لسياستها.
تتحدث واشنطن باستمرار عن الحلفاء والولاء والقواعد. ومع ذلك، فإن السجل الأمريكي مليء بالشركاء الذين تم استخدامهم وكشفهم ثم تركهم لدفع الفاتورة. ففي عام 2003، تم غزو العراق في ظل مزاعم حول أسلحة الدمار الشامل انهارت لاحقًا، مما أدى إلى عواقب وخيمة على المنطقة، وكشف عن فجوة كبيرة بين الوعود والواقع. ووعدت أفغانستان بالصمود، ثم شاهدت الانسحاب الأمريكي يترك الآلاف من الشركاء المحليين ومقدمي طلبات التأشيرة عالقين في وضع محفوف بالمخاطر، مما أثار تساؤلات حول التزام واشنطن تجاه من يعتمدون عليها. وتم دفع أوكرانيا لسنوات نحو لغة العزيمة الغربية، فقط ليشاهد العالم دونالد ترامب يحوّل فولوديمير زيلينسكي إلى موضوع إهانة علنية في المكتب البيضاوي، مما أثار تساؤلات حول التزام واشنطن بحلفائها وقدرتها على حماية مصالحهم. كما سمعت أوروبا النسخة الأكثر برودة من الولاء الأمريكي عندما طرح ترامب إغلاق مضيق هرمز كفرصة للدول المتضررة من الأزمة لشراء المزيد من النفط الأمريكي، وهو ما يعكس نهجاً يضع المصالح الذاتية فوق التزامات الحلفاء، ويبرز تكرار هذا النمط في التعامل مع الشركاء.
دعوة لوقف التصعيد وشمول لبنان في أي اتفاق
تعرض لبنان لقصف إسرائيلي بلغ نحو 3500 مرة بين 17 أبريل و7 يونيو، ترافقه عمليات هدم وسحق منظمة في الجنوب. وقد أدت هذه الأحداث إلى نزوح أكثر من مليون شخص من منازلهم، مما يمثل كارثة إنسانية كبرى، وتحدياً هائلاً للمجتمع الدولي. ترى جيني ويليامز أن وقف إطلاق النار الحقيقي يجب أن يشمل لبنان، مؤكدة أنه "إذا كان وقف إطلاق النار حقيقيًا، فيجب أن يشمل لبنان. وإذا كانت الدبلوماسية جادة، فلا يمكن أن تمنح إسرائيل بابًا جانبيًا تستمر من خلاله في الحرب." لا يمكن أن يكون هناك وقف إطلاق نار مستقر بينما تواصل إسرائيل إبقاء جبهة واحدة مشتعلة، فالسلام لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الصراع في منطقة حيوية، خاصة وأن السيادة اللبنانية قد انتهكت آلاف المرات.
إذا كانت واشنطن تسعى لوقف إطلاق نار حقيقي، فيتعين عليها التوقف عن منح إسرائيل الإذن بجعل لبنان استثناءً. لا يمكن أن يكون هناك قانون دولي ساري المفعول إذا كان بالإمكان انتهاك السيادة اللبنانية آلاف المرات ومع ذلك يتم وصف ذلك بأنه ضرورة أمنية. تؤكد جيني ويليامز أن "لبنان دفع ثمنًا كافيًا لحروب الآخرين. يجب أن تفشل محاولة نتنياهو لاستخدامه كطريق هروب من الدبلوماسية. ليس لأن التصعيد مرغوب فيه، بل لأن العكس هو الصحيح: لا يمكن بناء السلام من خلال السماح لدولة بحرق جارتها في كل مرة تصبح فيها المفاوضات غير مريحة." يجب أن تفشل محاولة بنيامين نتنياهو لاستخدام لبنان كطريق هروب من الدبلوماسية، لأن استمرار هذا النهج يقوض أي فرصة للسلام والاستقرار الإقليمي، ويجعل من لبنان ساحة دائمة للصراع بدلاً من أن يكون شريكاً في بناء مستقبل أفضل للمنطقة.