فرنسا تدفع لتمديد مهمة اليونيفيل في لبنان وسط معارضة أمريكية قوية وتوترات إقليمية

US and France clash over UNIFIL future as Lebanon seeks reversal of withdrawal plan
الصورة: AP Photo/Hussein Malla عبر News

تدفع فرنسا حاليًا وبشكل حثيث لتمديد بقاء قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان، وذلك بعد قرار مجلس الأمن الدولي الذي اتُخذ العام الماضي بإنهاء مهمة اليونيفيل. تأتي هذه الجهود الفرنسية وسط معارضة أمريكية قوية وصريحة لأي تمديد لعمليات القوة الأممية في المنطقة. وقد طلبت لبنان رسميًا من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إعادة النظر في الجدول الزمني الذي تم تحديده لفك ارتباط اليونيفيل. وبموجب القرار الذي تم اعتماده العام الماضي، من المقرر أن تبدأ اليونيفيل انسحابًا تدريجيًا من جنوب لبنان في عام 2027، لتغادر المنطقة بشكل كامل في نهاية المطاف. وأعلنت فرنسا دعمها الكامل لطلب بيروت بمراجعة هذا القرار، سعيًا منها للحفاظ على وجود القوة الأممية الحاسم في المنطقة.

تُعدّ هذه المساعي الفرنسية جزءًا من جهود دبلوماسية أوسع للحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان، وهي منطقة شهدت توترات متزايدة على مر السنين. وتؤكد باريس على الدور المحوري الذي تلعبه اليونيفيل في منع التصعيد وتوفير بيئة أكثر أمانًا للسكان المحليين، فضلاً عن دعم جهود الحكومة اللبنانية لفرض سيادتها على كامل أراضيها.

خلافات دولية حول مستقبل قوة حفظ السلام

في سياق هذه التطورات، لم يقدم السفير الفرنسي اقتراحًا مكتوبًا يحدد المدة التي ينبغي أن يستمر فيها التمديد المقترح، حسبما أفادت مصادر دبلوماسية مطلعة. هذا النقص في التفاصيل المكتوبة يشير إلى أن النقاشات لا تزال في مراحلها الأولية، وقد تكون هناك محاولات لبناء توافق أوسع قبل تقديم مقترح رسمي. في المقابل، أعرب السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز (Mike Waltz)، عن موقف واشنطن الرافض بشكل قاطع لتمديد تفويض قوة تعتقد أنها فشلت في تحقيق مهمتها الأساسية. وأكد والتز أن الولايات المتحدة لن تكرر "أخطاء الماضي"، مشيرًا إلى أن القوة لم تحقق الأهداف المرجوة منها في جنوب لبنان، وأنها لم تتمكن من منع التسلح غير المشروع أو تعزيز سيادة الدولة اللبنانية بشكل فعال.

وأظهرت عدة دول أوروبية دعمًا عامًا للموقف الفرنسي المطالب بتمديد مهمة اليونيفيل، مما يعكس قلقًا أوروبيًا مشتركًا من تداعيات الانسحاب المحتمل. ومع ذلك، لم تتخذ كل من الصين وروسيا موقفًا واضحًا بشأن الاقتراح الأخير الذي قدمته فرنسا في مجلس الأمن، مما يترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من المفاوضات والجهود الدبلوماسية. من جانبه، صرح السفير الفرنسي بأنه تلقى "ردود فعل إيجابية" من أعضاء مجلس الأمن بخصوص مقترحه، مما يشير إلى وجود بعض التأييد لفكرة الإبقاء على القوة، ولكن دون إجماع كامل. هذه الردود الإيجابية قد تكون مؤشرًا على استعداد بعض الدول لمراجعة القرار السابق، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المستمرة.

تضم القوة حاليًا حوالي 10,800 جندي وموظف من 47 دولة مختلفة، وتلعب دورًا رئيسيًا في مراقبة الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ إنشائها. ويعكس هذا العدد الكبير من المساهمين الدوليين الأهمية التي توليها بعض الدول لاستمرار وجودها في المنطقة، كآلية للحد من التصعيد والحفاظ على خطوط الفصل. وتأتي هذه التطورات في وقت تضغط فيه فرنسا بقوة لإلغاء قرار مجلس الأمن السابق الذي يقضي بإنهاء مهمة اليونيفيل تدريجيًا بحلول عام 2027، معتبرة أن الظروف الأمنية الحالية لا تسمح بمثل هذا الانسحاب.

تاريخ اليونيفيل وتطور ولايتها

تأسست قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) في عام 1978، وذلك في أعقاب الغزو الإسرائيلي الأول لجنوب لبنان. وقد جاء إنشاؤها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425، بهدف تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية، واستعادة السلام والأمن الدوليين، ومساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعالة في المنطقة. وكانت مهمتها الأصلية تتركز بشكل أساسي على مراقبة الحدود وتهدئة التوترات في المنطقة المضطربة، لتكون بمثابة حاجز بين الأطراف المتحاربة.

بعد حرب لبنان الثانية التي وقعت في عام 2006، وسّع مجلس الأمن الدولي ولاية اليونيفيل بشكل كبير من خلال القرار رقم 1701. هذا القرار سمح بزيادة عدد القوات وتوسيع نطاق عملياتها لتشمل مهام أكثر تعقيدًا وتنوعًا. فبالإضافة إلى مراقبة وقف إطلاق النار، أصبحت القوة مكلفة بمرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية أثناء انتشارها في جنوب لبنان، والمساعدة في ضمان وصول المساعدات الإنسانية الحيوية، ومنع استئناف الأعمال العدائية التي قد تهدد الاستقرار الهش. كما سمح القرار لليونيفيل باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة داخل مناطق عملياتها لمنع الأعمال العدائية وضمان حرية تحركها وحماية أفرادها، مما منحها صلاحيات أوسع للتدخل والرد على التهديدات.

مخاوف أمنية وتداعيات الانسحاب المحتمل

في سياق النقاش الدائر حول مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) وتأثيرها على الديناميكيات الأمنية في المنطقة، أشار كارلوس أرناو (Carlos Arnáu)، المنسق بالنيابة للأمم المتحدة في بيروت، إلى أن أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم نزع سلاح حزب الله هو استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية. ويعكس هذا الموقف وجهة نظر مفادها أن النزاع المستمر والاحتلال الإسرائيلي المزعوم لأجزاء من الأراضي اللبنانية يمثل عاملاً رئيسيًا في بقاء الجماعات المسلحة في البلاد، مما يعقد الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الكامل ونزع السلاح.

من جانبه، حذر جان بيير لاكروا (Jean-Pierre Lacroix)، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، من مخاطر إحداث فراغ أمني خطير في جنوب لبنان بمجرد مغادرة اليونيفيل. وتعكس هذه التحذيرات المخاوف العميقة من أن انسحاب القوات الأممية قد يؤدي إلى تفاقم التوترات القائمة وزعزعة الاستقرار في منطقة حساسة تاريخيًا، قد تفتح الباب أمام صراعات جديدة. ويشدد لاكروا على الأهمية البالغة للدور الذي تلعبه اليونيفيل في حفظ السلام وتخفيف حدة النزاعات المحتملة بين الأطراف المعنية في جنوب لبنان، مشيرًا إلى أن أي انسحاب يجب أن يتم بعناية فائقة وتخطيط دقيق لتجنب تداعيات أمنية سلبية قد تكون وخيمة على المنطقة بأسرها.

تحذيرات إسرائيلية ودعوات للمضي قدماً في الانسحاب

على النقيض من المواقف الفرنسية واللبنانية وبعض الدول الأوروبية، رفض السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، الجهود المبذولة للإبقاء على قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في موقعها. وذكر دانون أن اليونيفيل "فشلت لسنوات في المهمة الموكلة إليها ولم تمنع الحشد العسكري لحزب الله في جنوب لبنان"، معتبرًا أن وجودها لم يحقق الأهداف الأمنية المرجوة من وجهة النظر الإسرائيلية. وأكد السفير الإسرائيلي أن "القرار بإنهاء ولايتها قد اتُخذ بالفعل، ولا يوجد سبب للعودة إلى الوراء أو التراجع عنه".

وأضاف دانون في تصريحاته أن "في الأشهر المتبقية حتى نهاية نشاطها، يجب أن تركز القوة على إنفاذ القرار 1701 ونزع سلاح حزب الله. وستقع المسؤولية بعد ذلك على عاتق الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني". هذه التصريحات تعكس الموقف الإسرائيلي الذي يرى أن اليونيفيل لم تكن فعالة في مواجهة تهديدات حزب الله، وأن الوقت قد حان لتحمل الحكومة اللبنانية مسؤولياتها الأمنية بشكل كامل. تأتي هذه التصريحات في سياق الضغوط الفرنسية المتزايدة لتمديد مهمة اليونيفيل، مما يسلط الضوء على الانقسامات الدولية حول مستقبل القوة ودورها. في تطور منفصل، أفادت تقارير بأن وزير الخارجية اللبناني يوسف راجي توقف عن الظهور في مكتبه بعد تلقيه تحذيرات أمنية، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد والتوتر إلى المشهد السياسي والأمني في لبنان، ويبرز المخاطر المحتملة التي يواجهها المسؤولون في ظل هذه الأوضاع المضطربة.