تفاقم الأزمة الإنسانية في لبنان وسط هشاشة وقف إطلاق النار

Lebanon
الصورة: Getty Images عبر News

شهد لبنان تمديداً لوقف إطلاق النار الهش لمدة ثلاثة أسابيع، في وقت لا تزال فيه الأزمة الإنسانية تتفاقم في البلاد، وفقاً لتقارير صدرت في مايو. يأتي هذا التمديد بعد أن أدت هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 إلى حرب في غزة، وإلى إطلاق حزب الله، المدعوم من طهران، صواريخ على إسرائيل في 2 مارس، مما زج بلبنان في الصراع الأوسع في الشرق الأوسط.

رحب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بتمديد وقف الأعمال العدائية، ونشر تدوينة على وسائل التواصل الاجتماعي في 24 أبريل 2026. ودعا غوتيريش حزب الله وغيره من الجهات الفاعلة غير الحكومية إلى "الالتزام بقرارات لبنان لتوسيع سلطته في جميع أنحاء أراضيه وتعزيز سيطرة الدولة الحصرية على الأسلحة"، كما دعا إسرائيل إلى "الانسحاب الكامل من شمال الخط الأزرق". وحذر غوتيريش من أن "نموذج غزة يجب ألا يتكرر في لبنان".

ومع ذلك، أفادت مذكرة إحاطة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في 5 مايو أن "أزمة النزوح والأزمة الإنسانية في لبنان لم تنتهِ بعد". وأشارت المفوضية إلى أن "الغارات الجوية الإسرائيلية والقصف وعمليات الهدم وأوامر الإخلاء وحظر العودة إلى مناطق معينة وقيود الحركة تستمر في التسبب في نزوح متكرر واحتياجات إنسانية متزايدة بسرعة". وأضافت المفوضية أن "المدنيين المتبقين في جنوب لبنان وأجزاء من البقاع يعيشون بنفس الخوف على حياتهم كما كان الحال قبل وقف إطلاق النار. والمزيد منهم يجبرون على الفرار". وتحدثت المذكرة عن "دمار واسع النطاق للمنازل والبنية التحتية، وانقطاع الكهرباء والمياه، ومرافق رعاية صحية ومدارس متضررة أو غير عاملة، ومخاطر مستمرة من الذخائر غير المنفجرة".

تداعيات العنف على النازحين والمناطق المتضررة

لم يوقف وقف إطلاق النار الهش الذي أُعلن في السابع عشر من أبريل عمليات النزوح المتواصلة في لبنان، بل استمر في الدفع بالمزيد من السكان إلى ترك منازلهم. يواجه لبنان حالياً أزمة نزوح واسعة النطاق، حيث تجاوز عدد النازحين فيه المليون شخص، ما يعني أن واحداً من كل خمسة أفراد في البلاد هو نازح.

يُظهر الوضع الإنساني المتدهور أن أكثر من 124 ألف شخص يبحثون عن مأوى في 625 مدرسة ومبنى عام في مختلف أنحاء لبنان، مما يشير إلى حجم الضغط على البنية التحتية والموارد المتاحة. وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، شهدت الفترة بين السابع عشر من أبريل والخامس من مايو مقتل ما لا يقل عن 380 شخصاً، مما يؤكد الطبيعة الهشة للتهدئة واستمرار العنف.

تفاقمت الأزمة مع صدور أوامر نزوح جديدة في 11 بلدة ضمن قضاء النبطية، تلتها غارات جوية أجبرت المزيد من العائلات على الفرار بحثاً عن الأمان. يأتي هذا في سياق زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى لبنان في الثالث عشر والرابع عشر من مارس، حيث التقى بالمسؤولين وبحث الأوضاع الإنسانية والأمنية في البلاد.

تدهور الأمن الغذائي في لبنان

كشف برنامج الأغذية العالمي (WFP) أن تصعيداً حاداً في العنف أدى إلى عكس المكاسب الأخيرة في الأمن الغذائي في لبنان ودفع البلاد مرة أخرى إلى الأزمة. ووفقاً للبرنامج، يواجه ما يقرب من 1.24 مليون شخص في لبنان مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة الثالثة من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي أو أعلى) بين شهري أبريل وأغسطس 2026. وقد سُجلت الزيادات الأكبر في أعداد السكان الذين يواجهون انعداماً شديداً للأمن الغذائي في المحافظات الجنوبية مثل بنت جبيل، مرجعيون، النبطية، وأقضية صور.

وأوضح برنامج الأغذية العالمي أن "انعدام الأمن والنزوح يعطلان سبل العيش وفرص الدخل، بينما لا يزال الوصول إلى الأسواق غير متساوٍ في المناطق المتأثرة بالنزاع مع تعرض سلاسل الإمداد للضغط. وفي الوقت نفسه، يستمر ارتفاع التضخم وأسعار المواد الغذائية في تآكل القوة الشرائية، بينما تحد المساعدات الإنسانية المخفضة ونقص التمويل من قدرة الأسر على التكيف".

لم يتعافَ القطاع الزراعي في لبنان من تداعيات الصراع بين إسرائيل وحزب الله الذي وقع في عام 2024. وأشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن "الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية، والنزوح الواسع النطاق للأسر الزراعية، وتقييد الوصول إلى المناطق الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، واستمرار انعدام الأمن، كلها عوامل تقيد الإنتاج، بينما تحد الاضطرابات المحلية في السوق من قدرة المزارعين على العمل".

وذكر برنامج الأغذية العالمي أن "المخاطر تتزايد مع اقتراب نافذة زراعة الربيع من نهايتها. فبدون دعم عاجل، ستؤدي مواسم الزراعة الفائتة إلى خسائر في الإنتاج، مما سيعمق انعدام الأمن الغذائي ويزيد الاحتياجات الإنسانية في الأشهر القادمة". وفي سياق متصل، يمكن أن يصل تأثير التضخم إلى 0.9 نقطة مئوية إذا استمرت الحرب.

تأثير الصراع على الاقتصاد العالمي

أوضح رئيس البنك الدولي أجاي بانغا لوكالة رويترز في مقابلة يوم الجمعة أن الحرب في الشرق الأوسط سيكون لها تأثير متتالٍ على الاقتصاد العالمي، حتى لو استمر وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأشار بانغا إلى أنه يساوره القلق بشأن قدرة الدول على تجاوز هذه الأزمة، لضمان استهداف ما يتعين عليها القيام به دون تفاقم وضعها المالي. يمكن أن ينخفض النمو العالمي بنسبة تتراوح بين 0.3 و 0.4 نقطة مئوية في سيناريو أساسي مع نهاية مبكرة للحرب، وفقاً للتقديرات.

كما تشير التقديرات إلى أن التضخم قد يرتفع بمقدار 200 إلى 300 نقطة أساس في السيناريو الأساسي. وقد أدت الحرب إلى تعطيل إمدادات النفط والغاز والأسمدة والهيليوم وغيرها من السلع، فضلاً عن السياحة والسفر الجوي. وقد تساءل بانغا: "السؤال حقاً هو، هل سيؤدي هذا السلام الحالي والمفاوضات التي ستجري في نهاية هذا الأسبوع إلى سلام دائم ثم إعادة فتح المضيق (هرمز)؟"

وحذر بانغا من أنه "إذا لم يؤدِ ذلك إلى ذلك، وإذا اندلع الصراع مرة أخرى، فهل سيكون لذلك تأثير أكبر، أو تأثير طويل الأمد على البنية التحتية للطاقة؟" وتوقع أن يصل التضخم في الأسواق الناشئة والبلدان النامية إلى 4.9% في عام 2026، ارتفاعاً من التقدير السابق البالغ 3%. وفي سياق متصل، أشار بانغا إلى أن "نيجيريا يجب أن تتنفس الصعداء. لقد بنت القدرة على تحقيق الأمن الطاقوي لنفسها من خلال هذا الاستثمار الضخم".

وأضاف بانغا: "إنه في الواقع مثال جيد جداً على الشيء الصحيح الذي يتم القيام به من حيث الاكتفاء الذاتي من الطاقة بالنسبة لهم، ولكن أيضاً لجيرانهم". وشدد على ضرورة تطوير مصادر الطاقة المتجددة قائلاً: "إذا لم يتم تشغيل الطاقة النووية والمائية والحرارية الأرضية على نطاق واسع، جنباً إلى جنب مع طاقة الرياح والطاقة الشمسية، فسوف ينتهي بهم الأمر إلى فعل المزيد بالوقود التقليدي، ولا أحد يريد ذلك حقاً".

جهود الاستجابة الدولية والحلول المقترحة

يمكن أن تتفاقم الأضرار بشكل أعمق إذا فشل وقف إطلاق النار وتصاعد الصراع. وقد أدت الحرب بالفعل إلى ارتفاع سعر النفط بنسبة 50%. وتشير التقديرات الأساسية للبنك الدولي إلى أن نمو الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية سيبلغ 3.65% في عام 2026، مقارنة بـ 4% المتوقعة في أكتوبر. وفي سيناريو معاكس يتضمن حرباً أطول أمداً، يمكن أن ينخفض النمو في هذه الأسواق والاقتصادات إلى 2.6%. وقد يصل التضخم في الأسواق الناشئة والبلدان النامية إلى 6.7% في السيناريو الأكثر تطرفاً.

وفي سياق متصل، استفادت نيجيريا من استثمار بقيمة 20 مليار دولار قامت به مجموعة دانغوتي (Dangote Group) في مصافي التكرير، مما زاد من الإنتاج خلال الحرب ويوفر الآن وقود الطائرات للدول المجاورة. ويجري البنك الدولي مناقشات مع بعض الدول النامية للاستفادة من الأموال المتاحة ضمن برامج قائمة تحت مسمى "نوافذ الاستجابة للأزمات". كما أنهى البنك الدولي حظراً طويلاً على تمويل مشاريع الطاقة النووية في يونيو الماضي، ويعمل مع موزمبيق لتوسيع قدراتها في إنتاج الطاقة. من جانبها، صرحت إيران يوم الجمعة بأن الأصول الإيرانية المجمدة يجب أن تُفرج، وأن وقف إطلاق النار يجب أن يتحقق في لبنان قبل أن تتم محادثات الولايات المتحدة وإيران المقررة يوم السبت في باكستان.