يلجأ سكان القرى النازحون في جنوب لبنان إلى صور الأقمار الصناعية التجارية لمعرفة ما إذا كانت منازلهم لا تزال قائمة، في ظل تعذر وصولهم إلى مناطقهم الأصلية. وقد انتشرت هذه الممارسة في جميع أنحاء جنوب لبنان، حيث تسببت أوامر الإخلاء الإسرائيلية والعمليات العسكرية المستمرة والدمار المنهجي في جعل عشرات القرى غير قابلة للوصول. هذه الممارسة أصبحت بديلاً حيوياً للمعلومات في ظل استحالة الوصول الفعلي إلى القرى المتضررة.
وقد تم قطع الوصول إلى خمس وثمانين قرية منذ التوغلات الإسرائيلية في جنوب لبنان، والتي بدأت في عام 2023 وتصاعدت في مارس. هذه التوغلات أدت إلى نزوح واسع النطاق وخلقت حالة من عدم اليقين بشأن مصير الممتلكات. كما أنشأت إسرائيل في أبريل "خطاً أصفر" كمنطقة عازلة تمتد بين 1.2 و12 كيلومتراً شمال الخط الأزرق. وتمتد هذه المنطقة المحظورة على مساحة تقارب 568 كيلومتراً مربعاً، مما يفرض قيوداً صارمة على حركة المدنيين ويجعل العودة إلى القرى أمراً مستحيلاً في الوقت الراهن. هذه الإجراءات العسكرية أدت إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية وزادت من حاجة السكان إلى أي وسيلة للاطمئنان على ممتلكاتهم.
الصور الفضائية كبديل للمعلومات
يتشارك بعض السكان أموالهم مع الجيران لشراء صور الأقمار الصناعية التجارية، في محاولة للاطمئنان على ممتلكاتهم ومنازلهم في ظل تعذر الوصول إليها. هذه المبادرات الجماعية تعكس اليأس والرغبة الملحة في الحصول على معلومات دقيقة. وقد وصفت حوراء، وهي أخصائية طبية من بلدة زبدين في قضاء النبطية، تجربتها في اللجوء إلى هذه الصور. وقالت حوراء: "عندما فر الناس من قراهم على عجل، تركوا وراءهم كل ممتلكاتهم وذكرياتهم. كان همنا الأول هو الهروب من الموت والعثور على مكان آمن للاحتماء". هذا التصريح يسلط الضوء على الصدمة الأولية للنزوح والخسائر التي تكبدوها.
استخدمت حوراء منصة OnGeo (أونجيو) لصور الأقمار الصناعية للعثور على صور محدّثة لقريتها، بعد أن كانت تبحث عن أي معلومات متاحة. وأوضحت حوراء: "بدأنا نبحث عن أي معلومات يمكننا العثور عليها. أصبحت صور الأقمار الصناعية أحد الخيارات القليلة المتاحة بعد أن بدأنا نراها تُشارك على وسائل التواصل الاجتماعي، وتُظهر مدى الدمار". وقد ساهمت حوراء وجيرانها في جمع الأموال لشراء هذه الصور. وأشارت حوراء إلى أن "البعض ساهم بخمسة دولارات، وآخرون بعشرة دولارات، وتمكنا من جمع 80 دولاراً. ومع ذلك، بلغت تكلفة الصور 130 دولاراً، فغطى أحد سكان القرية الميسورين المبلغ المتبقي. أصبح لدينا الآن وسيلة للاطمئنان على منازلنا". هذا التعاون الجماعي يبرز التكاتف المجتمعي في مواجهة الظروف الصعبة.
كان الحصول على الصورة الواحدة يستغرق 24 ساعة في السابق، لكنه قد يستغرق الآن ما يصل إلى يومين بسبب زيادة الطلب. هذه الزيادة في وقت الانتظار تعكس تزايد الحاجة والاعتماد على هذه الصور. ويُطلب حالياً صور لقرى قُطع عنها الوصول مؤخراً، مثل زوطر الشرقية وأرنون وكفر تبنيت ويحمر. وأضافت حوراء: "من المذهل أن راحة البال لدى الناس تحولت إلى مصدر قلق يومي، حتى بتكلفة لا يستطيع الكثيرون تحملها إلا بصعوبة. أولئك الذين نجت منازلهم من جولة واحدة من الهجمات يشترون الآن صوراً محدّثة. هذا يعكس شعوراً متزايداً بالقلق بين الناس الذين فقدوا أمنهم". هذا الشعور بالقلق يتفاقم مع كل يوم يمر دون معرفة مصير الممتلكات.
تداعيات الدمار العسكري
كشفت صور الأقمار الصناعية الملتقطة في أوائل مايو/أيار عن دمار منهجي للمناطق الحضرية وفتح ممرات عسكرية. هذه الصور قدمت أدلة بصرية لا يمكن دحضها على حجم الدمار. تشمل هذه الممرات طرقاً تمر عبر 19 بلدة في قضاء صور، و23 بلدة في بنت جبيل، و25 بلدة في مرجعيون، و11 بلدة في حاصبيا، و6 بلدات في النبطية، وبلدة واحدة في راشيا. هذا النطاق الواسع للممرات العسكرية يشير إلى تغييرات جذرية في المشهد الجغرافي للمنطقة. وقد وجد المهندس طارق مزرعاني، من بلدة حولا الحدودية، أن منزله قد دُمّر بالكامل، وتحوّل منزل آخر إلى رماد بعد وقف إطلاق النار في عام 2024. وقال مزرعاني: "كنت قد خططت لتحويل الأخير إلى متحف، لأنه كان يحتوي على قطع أثرية وكتب ووثائق نادرة حول تاريخ القرية وجنوب لبنان". هذه الخسارة تتجاوز مجرد الممتلكات لتشمل التراث الثقافي والتاريخي.
أظهرت الصور المحدّثة دبابات إسرائيلية داخل بلدة يحمر، حيث جرفت القوات الإسرائيلية المقابر. هذه المشاهد تؤكد على الانتهاكات التي تطال حتى حرمة الموتى. وأضاف المهندس طارق مزرعاني أن "الصور غير متوفرة لكل منطقة، حيث توجد قيود على ما يُسمح للأقمار الصناعية بالتقاطه. ومع ذلك، في الصور التي يمكنني مراجعتها، يتضح على الفور متى تم تدمير مبنى بالكامل". هذه القيود قد تمنع الكشف عن حجم الدمار الحقيقي في بعض المناطق. وواجه مزرعاني صعوبة في نقل الأخبار المدمرة للآخرين، مشيراً إلى أنه "عندما طلب مني تحليل صورة لممتلكاته، لم أستطع أن أخبره أن المنزل الذي أمضى 40 عاماً ومدخرات حياته في بنائه قد تحول إلى رماد. في النهاية، نقل أحد أقاربه الخبر إليه، وعندما اتصل بي مرة أخرى لتأكيد ما سمعه، أخبرته الحقيقة. صمت تماماً، ثم انهار في بكاء حزين". هذه القصة تبرز الأثر النفسي المدمر لهذه الأخبار على الأفراد.
قصص شخصية وتكاليف
ساهمت مجموعة من السكان بمبلغ 80 دولاراً أمريكياً لصور الأقمار الصناعية التي كلفت 130 دولاراً أمريكياً، مع تغطية أحد السكان المتبقي من المبلغ. هذا يوضح الجهد المالي الذي يبذله السكان للحصول على هذه المعلومات. وتتراوح تكلفة الحصول على صورة فضائية واحدة حالياً بين 130 و170 دولاراً أمريكياً، وقد تصل بعض الأسعار إلى 200 دولار أمريكي. هذه التكاليف تشكل عبئاً كبيراً على الأسر النازحة التي فقدت مصادر دخلها. وقد علمت ديانا مقلد، من بلدة تبنين، بتدمير منزلها من مسعفين أرسلوا صوراً له. هذه الطريقة غير المباشرة لمعرفة مصير المنزل تزيد من قسوة التجربة.
وقالت ديانا مقلد: "علمت أنا ووالدتي وإخوتي بتدمير منزلنا في القرية من المسعفين، الذين التقطوا صوراً للمنزل الذي بناه والدي — والذي تحول الآن إلى أنقاض — وأرسلوها إلينا". وأضافت مقلد: "جلسنا نبكي وننظر إلى بعضنا البعض، غير قادرين على الكلام. كيف يمكن لعائلة أن تحزن على منزلها؟ كيف يمكنهم إقامة عزاء للجدران؟ كيف يمكننا أن نصدق أن منزلنا، الذي عشنا فيه وعاش فينا، تحول فجأة إلى رماد؟". هذه الكلمات تعبر عن عمق الصدمة والحزن الذي يعتري العائلات التي تفقد منازلها، والتي تمثل أكثر من مجرد مبانٍ.
وأكدت مقلد عمق الارتباط بالمنزل قائلة: "لكن اليوم، بعد استهداف المنزل، لم ننجح في الوفاء بهذا الوعد. لقد أصبح المنزل أنقاضاً. واليوم أدرك أن هذا، بالنسبة لنا، كان أكثر من مجرد منزل؛ كان وطننا". هذا الشعور بأن المنزل هو "وطن" يعكس الأهمية الرمزية والعاطفية للمنازل في حياة هؤلاء النازحين. إن فقدان المنزل لا يعني فقط فقدان المأوى، بل يعني أيضاً فقدان جزء من الهوية والذاكرة والتاريخ الشخصي والعائلي. هذه القصص الفردية تسلط الضوء على الأبعاد الإنسانية العميقة للأزمة في جنوب لبنان.