يواجه لبنان، مرة أخرى، تداعيات قرارات تُتخذ بعيداً عن حدوده، حيث يتشكل مستقبله عبر ثلاثة مسارات تفاوضية متوازية. إن لبنان يدفع ثمن قرارات تُصنع في عواصم بعيدة، الأمر الذي يحد من قدرته على التحكم في مصيره. تُحدد مسارات الصراع من خلال مفاوضات تجري في أماكن أخرى، ويظهر فيها لبنان كملف واحد من بين عدة ملفات على الطاولة. يظل الحيز الداخلي للمناورة في لبنان محدوداً، ويتأثر بشكل مباشر بالضغوط الخارجية التي تُمارس عليه. تُظهر هذه الديناميكية أن مصير البلاد ليس في أيدي الأطراف اللبنانية وحدها، بل يتأثر بشكل حاسم بقوى إقليمية ودولية تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة.
مسارات التفاوض الخارجية التي تشكل مستقبل لبنان
تتجه مسارات التفاوض الخارجية التي تشكل مستقبل لبنان ضمن قنوات متعددة، مما يعكس تعقيد المشهد الجيوسياسي الذي يحيط بالبلاد. يؤكد المراقبون أن مستقبل لبنان يجري تشكيله عبر ثلاثة مسارات تفاوضية متوازية. يمثل المسار الأول القناة المدعومة من الولايات المتحدة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، والتي تهدف إلى معالجة القضايا العالقة بين الطرفين. يركز المسار الثاني على اتصالات غير مباشرة بين واشنطن وحزب الله، وفقاً لتقارير متعددة، وهي اتصالات تهدف إلى استكشاف سبل خفض التصعيد أو وضع إطار لتفاهمات معينة. أما المسار التفاوضي الثالث، فيتمثل في المحادثات الأمريكية-الإيرانية التي نشأت من محادثات إسلام آباد، والتي تؤثر بشكل مباشر على ملفات المنطقة بما فيها لبنان.
وفي سياق هذه المسارات المعقدة، نفى حزب الله مزاعم بإجراء محادثات مباشرة مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. ومع ذلك، تشير تقارير موثوقة إلى أن اجتماعات قد جرت عبر وسطاء، غالباً في دول ثالثة، بهدف إرسال إشارات وتشكيل التوقعات بين الأطراف المعنية دون الحاجة إلى تواصل مباشر. وقد كشفت تقارير عن وجود رئيس العلاقات الدولية في حزب الله، عمار الموسوي، إلى جانب النائب علي حسن خليل في قطر، مما يعزز فكرة هذه الاتصالات غير المباشرة ويوضح الجهود المبذولة لفتح قنوات خلفية. هذه الاتصالات غير المباشرة تهدف إلى تبادل الرسائل وتحديد التوقعات بين الأطراف الفاعلة.
في تطور آخر ذي دلالة، زار قائد القوات المسلحة اللبنانية (LAF) الجنرال رودولف هيكل إسلام آباد. تأتي هذه الزيارة في ظل تقارير تتحدث عن دعم باكستاني محتمل للجيش اللبناني، مما يشير إلى محاولة لبنان تنويع مصادر دعمه العسكري في ظل التحديات الراهنة. تعكس هذه التحركات الدبلوماسية والعسكرية شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية التي تؤثر بشكل مباشر على المشهد اللبناني، وتؤكد أن مصير البلاد مرتبط بشكل وثيق بالديناميكيات الإقليمية والدولية.
حسابات القوى الكبرى في واشنطن وطهران
في واشنطن، تُصفى قضايا المنطقة عبر منظور السياسات الداخلية والضغوط الاقتصادية والتنافس الاستراتيجي، بالإضافة إلى الاعتبارات المرتبطة بالانتخابات الرئاسية والتشريعية. يُنظر إلى التطورات في لبنان ضمن سياق أوسع لهذه العوامل التي تشكل أولويات صانعي القرار الأمريكيين. يعكس هذا النهج تركيزاً على المصالح الوطنية الأمريكية وكيفية تأثير أحداث الشرق الأوسط على الساحة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة. إن الإدارة الأمريكية، في سعيها لتحقيق أهدافها، تأخذ في الاعتبار تداعيات أي تحرك في لبنان على وضعها السياسي والاقتصادي والتنافسي على الساحة الدولية. ففي واشنطن، يتم تصفية قضايا المنطقة من خلال عدسة السياسات الداخلية، والضغوط الاقتصادية، والتنافس الاستراتيجي، والساعة الانتخابية، مما يجعل أي قرار يتعلق بلبنان متأثراً بهذه العوامل المعقدة.
من جانبها، تتعامل طهران مع الملف اللبناني كجزء لا يتجزأ من مساومتها الأوسع مع واشنطن، مما يشير إلى أن القرارات المتعلقة بلبنان تتأثر بشكل كبير بالديناميكيات الإيرانية-الأمريكية. تُظهر هذه المقاربة أن إيران ترى في لبنان ورقة تفاوضية ضمن إطار علاقاتها المعقدة مع الولايات المتحدة، مما يربط مصير البلاد بمفاوضات أبعد من حدودها الجغرافية. إن أي تقدم أو تراجع في العلاقات الإيرانية-الأمريكية ينعكس مباشرة على الوضع في لبنان، مما يجعله ساحة للتنافس غير المباشر بين القوتين.
وقد أشارت الردود الإيرانية على الإجراءات الإسرائيلية إلى أن لبنان يظل جزءاً لا يتجزأ من إطار ردع أوسع، وفقاً لتقارير متعددة. تعكس هذه الإشارات حرص طهران على الحفاظ على نفوذها في المنطقة وقدرتها على الردع، وذلك من خلال الأطراف المتحالفة معها في لبنان. هذا الربط يعزز فكرة أن الصراع في لبنان ليس محلياً بالكامل، بل هو جزء من معادلة إقليمية أكبر تتضمن توازنات القوى والردع المتبادل.
كما أعادت عمليات تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله إحياء الحديث عن صيغ ردع جديدة. من بين هذه الصيغ المطروحة، هناك النقاش حول مفهوم "الضاحية مقابل المستوطنات الإسرائيلية". هذا المفهوم يعكس محاولة لتقييم التوازن الاستراتيجي بين الأطراف، حيث يُشير إلى أن أي تصعيد قد يؤدي إلى استهداف متبادل للمناطق الحضرية الرئيسية، مما يرفع من تكلفة المواجهة لكلا الجانبين.
الضغوط الداخلية والمواقف الإسرائيلية
في تل أبيب، تُشير تقارير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه وضعاً سياسياً هشاً تحت ضغوط قانونية وداخلية متزايدة، وأن المواجهة المطولة تُكسبه الوقت سياسياً وتصرف الانتباه عن مشاكله الداخلية. على الجانب اللبناني، اعترض رئيس مجلس النواب نبيه بري على هيكل الترتيب المقترح، واصفاً إياه بأنه غير متوازن ولا يخدم المصالح اللبنانية بشكل عادل. يقع عبء تنفيذ الترتيب المقترح بشكل كبير على عاتق حزب الله، بينما تظل الالتزامات الإسرائيلية غامضة وغير واضحة، مما يثير مخاوف بشأن مدى التزام إسرائيل بأي اتفاقات مستقبلية.
من العناصر المثيرة للجدل قيد المناقشة فكرة "مناطق نموذجية" في الجنوب، حيث يُفترض أن يعود المدنيون تحت سيطرة القوات المسلحة اللبنانية (LAF). يتضمن الإطار المقترح انسحاباً مرحلياً من مناطق محددة، وتسليم الأسلحة، ودخول القوات المسلحة اللبنانية مدعومة بفرق تقنية مرتبطة بالولايات المتحدة لتعزيز قدراتها وقدرتها على فرض السيطرة. وقد أظهر حزب الله مرونة في المناقشات السرية، مما يشير إلى استعداده للنظر في بعض التغييرات في موقفه العسكري. وتشمل الأفكار قيد الدراسة تقليص بعض القدرات الاستراتيجية، بما في ذلك الأصول الصاروخية، وتحديد الاشتباك على طول الجبهة الجنوبية، بهدف تقليل حدة التوتر ومنع التصعيد.
آفاق الاستقرار الداخلي ودور حزب الله
تشير التوقعات إلى أن إزاحة حزب الله من المشهد السياسي اللبناني أمر مستبعد في المستقبل المنظور، مع ترجيح أن يشمل التغيير إعادة معايرة لموقفه العسكري مع الحفاظ على دوره السياسي المستمر. هناك القليل جداً مما يشير إلى أن حزب الله يمكن إخراجه من المشهد السياسي اللبناني، مما يؤكد على ضرورة التعامل مع وجوده كحقيقة واقعة في أي ترتيبات مستقبلية. وفي هذا السياق، تبدو الموازين الداخلية في لبنان قائمة، حيث يبدي الفاعلون الرئيسيون نيتهم في تجنب أي صدع كبير قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الهش في البلاد.
إن هذا التوازن الدقيق يعكس فهماً مشتركاً بين الأطراف اللبنانية بأن أي صراع داخلي قد تكون له عواقب وخيمة على الجميع. ومع ذلك، فإن الضغوط الخارجية المستمرة، وتأثير المفاوضات الإقليمية والدولية، تظل عوامل حاسمة في تشكيل مستقبل لبنان. إن قدرة لبنان على تجاوز هذه التحديات ستعتمد بشكل كبير على كيفية إدارة هذه المسارات التفاوضية المعقدة، والتوفيق بين المصالح الداخلية والخارجية المتضاربة.